الطعام أكثر من غذاء؛ إنه صورة حيّة تنسجها خيوط التاريخ والثقافة والهوية. وللشعب الكردي، الذي يمتدّ وطنه عبر المناطق الجبلية في تركيا والعراق وسوريا وإيران، يمثّل الطعام رمزًا قويًا لتراثه الباقي. ومع ذلك، كثيرًا ما تُنسب أشهر أطباقه، من طبقات البقلاوة الحلوة إلى نكهة الكباب المدخّنة، خطأً إلى مطابخ الدول التي يعيش فيها. ينطلق هذا المقال في مسيرة لاستعادة الرواية، فيستكشف الجذور الكردية العميقة لهذه الأطعمة المحبوبة، ويحتفي بتقاليد الطهو الغنيّة لإحدى أقدم الأمم التي لا دولة لها وأكبرها في العالم.

الجذور القديمة للمطبخ الكردي

تقاليد الطهو الكردية قديمة قدم الأرض نفسها. فكردستان تقع في قلب بلاد الرافدين، «مخزن حبوب الشرق الأوسط» التاريخي، وقد وفّرت أوديتها الخصبة وجبالها الوعرة وفرة من المكوّنات آلاف السنين. وشكّلت حياة الشعب الكردي شبه الرحّالة، التي تتمحور حول الزراعة وتربية الحيوان، مطبخًا غنيًا ومتنوعًا. ويُعدّ لحم الضأن والدجاج من أساسياته، شاهدَين على تقاليده الرعوية، فيما تنتج التربة الخصبة أنواعًا كثيرة من الفاكهة والخضار والحبوب. وهذه الصلة العميقة بالأرض أساس الطهو الكردي، وهو تقليد ينتقل بين الأجيال في مطابخ الأمهات والجدّات، لا في كتب الوصفات.

الدولمة: مذاق البيت

الدولمة، وهي خضار محشوة بمزيج شهيّ من الأرز والأعشاب واللحم أحيانًا، ركن من أركان مطبخ الشرق الأوسط. ومع أن أممًا كثيرة تدّعيها لنفسها، فللشعب الكردي علاقة حميمة بها على نحو خاص. وفي البيوت الكردية، تكون الدولمة، أو «ياپراخ»، عملًا يُنجَز بمحبة ونشاطًا جماعيًا يجمع الأسر. وأكثر أنواعها محبةً ما يُصنع من ورق العنب الذي يُجمع بعناية ويُملّح لاستخدامه طوال العام. وتعكس الحشوة العطرة، من الأرز ولحم الضأن أو البقر المفروم ومجموعة أعشاب مثل النعناع والبقدونس والشبت، البيئة الكردية. ويُنتج طهو الأوراق المحشوة ببطء في مرق حامض من الليمون والطماطم طبقًا دافئًا متعدّد النكهات، ومذاقًا حقيقيًا للبيت.

الكباب: إرث النار واللحم

أزيز اللحم فوق نار مكشوفة صوت يتردّد في جبال كردستان. وللكباب، المرتبط بالشرق الأوسط، مكانة خاصة في قلوب الشعب الكردي. وقد جعل تراثه الرحّال، القائم على رعي الأغنام والماعز، لحم الضأن محور مطبخه. والكباب الكردي التقليدي بسيط ورفيع المذاق؛ قطع ضأن طرية تُنقع في مزيج من اللبن والأعشاب والتوابل، وتُثبّت في أسياخ وتُشوى على الجمر الساخن. والنتيجة طبق مدخّن وطري وعميق النكهة، يتحدّث عن التقاليد القديمة والجمال الوعر للوطن الكردي. ومع وجود أنواع من الكباب في أنحاء المنطقة، فإن تركيز الأكراد على لحم الضأن العالي الجودة المُربّى في المراعي، واستخدام الأعشاب البرية العطرة، يميّزان نسختهم.

البقلاوة: تناغم حلو من الطبقات

البقلاوة، الحلوى الرفيعة المصنوعة من طبقات عجين الفيلو والمكسّرات والقطر، أثارت نقاشات كثيرة في عالم الطعام. ومع ارتباطها غالبًا بالمطبخين التركي واليوناني، يمكن تتبّع أصولها إلى آشوريي بلاد الرافدين، أسلاف الشعب الكردي المعاصر. وكان الآشوريون أول من وضع طبقات من الخبز غير المخمّر مع المكسّرات المفرومة والعسل، في شكل مبكر للبقلاوة التي نعرفها اليوم. وعلى مرّ القرون، تطوّرت هذه الوصفة وانتشرت في الإمبراطورية العثمانية، وأضافت كل ثقافة لمستها الخاصة. وغالبًا ما تُصنع البقلاوة الكردية بالجوز، الذي ينمو بكثرة في جبال كردستان، وتُغمر بقطر عطري يُنكّه بماء الورد أو الهيل. وهي حلوى غنيّة ورقيقة معًا، وتذكير حلو بـتراث الطهو القديم للشعب الكردي.

كَلَه پاچَه (پاچَه): طبق الشجاعة والتقاليد

كَلَه پاچَه، أو پاچَه، حساء غنيّ يُصنع من رأس الخروف وأكارعه، وليس طبقًا لمن يتهيبون التجربة. لكنه لدى الشعب الكردي طعام محبوب، ورمز لبراعته في استخدام موارده واحترامه العميق للحيوانات التي تغذّيه. وهذا النهج في الطهو، الذي يستخدم الحيوان كاملًا من الأنف إلى الذيل، سمة للمجتمعات التقليدية التي لا تهدر شيئًا. ويُطهى الرأس والأكارع ببطء ساعات، حتى يصبح اللحم طريًا ينفصل عن العظم. ويُنكّه المرق الغنيّ والجيلاتيني بتوابل متنوعة، منها الكركم والفلفل الأسود والقرفة. ويُقدّم الطبق مع خبز مسطّح وعصرة ليمون، فيكون مغذّيًا ومُشبعًا جدًا، شاهدًا على تقاليد الطهو الكردية المستمرة.

استعادة الرواية

ليست نسبة الأطعمة الكردية خطأً إلى مطابخ أخرى مجرد مسألة أسماء في عالم الطهو؛ إنها انعكاس للتهميش السياسي والثقافي للشعب الكردي. فقد قُمعت هويته قرونًا، ومُنعت لغته ومُحي تاريخه. وباستعادة رواية طعامه، لا يحتفي الشعب الكردي بتراث الطهو الغنيّ فحسب، بل يؤكّد أيضًا هويته ومكانته المستحقّة في العالم. والطعام أداة قوية لحفظ الثقافة، وسبيل لإبقاء التقاليد حيّة ونقلها إلى الأجيال المقبلة. وكما يقول المثل الكردي: «الرجل الجائع رجل غاضب»، لكن الرجل الذي يعرف قصص طعامه يعرف نفسه.

ختامًا، تشكّل تقاليد الطهو الكردية صورة غنيّة وحيّة منسوجة من التاريخ والثقافة والهوية. فمن دفء الدولمة إلى روح الكباب المشتعلة، ومن تناغم البقلاوة الحلو إلى نكهات كَلَه پاچَه الجريئة، يشهد الطعام الكردي على التراث الباقي لشعب ثابر في وجه كل الصعاب. وبالاحتفاء بهذه الأطباق ومشاركتها، نكرّم الشعب الكردي ونُغني أيضًا فهمنا للعالم والثقافات المتنوعة التي تمنحه هذا الجمال. وفي المرة المقبلة التي تتذوّق فيها بقلاوة أو كبابًا طريًا، توقّف لحظة لتتذكّر الجذور المسكوت عنها لهذه الأطعمة المحبوبة والشعب الصامد الذي أبقى تقاليد طهوه حيّة قرونًا.