مقدمة
في 1000م، منح أحد أقوى حكام العالم أميرا كرديا تكريما استثنائيا. فقد منح الإمبراطور البيزنطي باسيل الثاني ممهد الدولة، حاكم الإمارة المروانية الكردية، اللقبين الإمبراطوريين «ماگيستروس»، ماكسيتروس، و«دوق الشرق»، وهو تكريم لم يُمنح من قبل لأي حاكم مسلم. ولم يكن هذا إحسانا، بل اتفاقا دبلوماسيا رسميا بين أقوى إمبراطورية مسيحية على الأرض وأسرة مسلمة كردية سيطرت على القلب الاستراتيجي لأعالي بلاد الرافدين.
يُعد الاتفاق البيزنطي المرواني لعام 1000م أحد أوضح الشواهد في العصور الوسطى على أن الحكام الكرد كانوا فاعلين سياسيين ذوي سيادة، قادرين على التفاوض على قدم المساواة مع أعظم قوى عصرهم. كانت الإمارة المروانية مملكة كردية لها عاصمتها وجيشها وعملتها وسياستها الخارجية، تحترمها وتستميلها بيزنطة والخلافة الفاطمية وأمراء بغداد البويهيون، بما يتجاوز الدولة التابعة أو الأرض القبلية.
المحتويات
العصر الذهبي في عهد نصر الدولة
ما الاتفاق البيزنطي المرواني؟
كان الاتفاق البيزنطي المرواني بروتوكولا دبلوماسيا أُبرم نحو 1000م بين باسيل الثاني، إمبراطور الدولة البيزنطية، وممهد الدولة، الأمير الكردي للأسرة المروانية التي اتخذت ميافارقين، سيلڤان الحالية، وآمد، دياربكر الحالية، مقرين لها. وبموجبه منح باسيل الثاني الحاكم الكردي اللقبين البيزنطيين «ماگيستروس» و«دوق الشرق»، دوكس أورينتيس، وهما أعلى الألقاب العسكرية الفخرية التي تستطيع الإمبراطورية منحها. وفي المقابل، تحافظ الإمارة المروانية على علاقات سلمية مع بيزنطة، وتؤدي دور حاجز يرسخ الاستقرار على الحدود الشرقية للإمبراطورية.
والأهم أن الاتفاق تضمن أيضا وعدا بمساعدة عسكرية بيزنطية إذا تعرضت الإمارة المروانية لهجوم من قوى خارجية. وكان ذلك ميثاق دفاع مشترك بين إمبراطورية مسيحية ودولة مسلمة كردية، غير مسبوق في تاريخ العصور الوسطى، يتجاوز الإشارة الشكلية.
أبرز النقاط
• منح الإمبراطور البيزنطي أميرا كرديا لقب «دوق الشرق»، وهي المرة الأولى التي تُمنح فيها هذه الألقاب لحاكم مسلم.
• كانت الإمارة المروانية أسرة كردية تحكم من ميافارقين وآمد، دياربكر، ودولة كردية ذات سيادة، لها عملتها وجيشها وسياستها الخارجية.
• تضمن الاتفاق ميثاق دفاع مشترك؛ وعدت بيزنطة بإرسال قوات للدفاع عن الإمارة الكردية إذا هوجمت.
• اختار المروانيون التعايش عوض الجهاد؛ وأدوا دور حاجز سلمي بين العالمين الإسلامي والمسيحي، وشجعوا التجارة والتبادل الثقافي.
• تظهر كلمة «كردستان»، بصيغة «كيرتاستان»، في مراسلات عسكرية من العصر المرواني، في أحد أقدم استخداماتها الموثقة في العصور الوسطى مصطلحا سياسيا جغرافيا.
حقائق سريعة
الاتفاق: الاتفاق البيزنطي المرواني التاريخ: نحو 1000م الأطراف: الإمبراطور البيزنطي باسيل الثاني وممهد الدولة من الإمارة المروانية الكردية النوع: بروتوكول دبلوماسي بألقاب فخرية وأحكام للدفاع المشترك الألقاب الممنوحة: ماگيستروس، ماكسيتروس، ودوق الشرق، دوكس أورينتيس الأهمية: أول مرة يتلقى فيها حاكم مسلم هذه الألقاب البيزنطية العاصمة المروانية: ميافارقين، سيلڤان الحالية في محافظة دياربكر الأسرة: المروانية، كردية من القبيلة الحميدية، حكمت في 983–1085م الأراضي: منطقة ديار بكر، آمد وميافارقين وحصن كيفا والمناطق المحيطة
الأسرة المروانية: قوة كردية
أسس الأسرة المروانية باذ بن دوستك، وهو راعٍ كردي من القبيلة الحميدية حمل السلاح وجمع الأتباع، واستولى على ميافارقين في 983م أثناء انهيار السلطة البويهية في المنطقة. ومن هذه القاعدة، فتح باذ آمد، دياربكر، ونصيبين وسيلڤان وأراضي تمتد إلى شواطئ بحيرة وان. وعند وفاته عام 990، كان قد أسس إمارة كردية تسيطر على منطقة ديار بكر كلها، القلب الاستراتيجي لأعالي بلاد الرافدين.
سك المروانيون نقودهم، وشيدوا منشآت عامة ضخمة، وحافظوا على جيش محترف، ومارسوا الدبلوماسية مع كل قوة كبيرة في المنطقة. وبخلاف معظم الإمارات الإسلامية الحدودية في تلك الفترة، لم تكن الدولة المروانية كيانا جهاديا. وأدت دور حاجز بين العالمين الإسلامي والمسيحي، مشجعة التعايش السلمي والتجارة والتبادل الثقافي. وكان هذا خيارا سياسيا واعيا؛ فهم المروانيون أن بقاء الكرد يعتمد على التوازن الاستراتيجي، عوض الحرب التي لا تنتهي.
السياق التاريخي: عالم متغير
بحلول أواخر القرن10، كان العالم الإسلامي مجزأ. وأصبحت الخلافة العباسية ظلا لماضيها، يسيطر عليها قادة عسكريون بويهيون في بغداد. وحكمت الخلافة الفاطمية مصر وكثيرا من سوريا. ودفعت الجيوش البيزنطية، بقيادة الإمبراطور المحارب باسيل الثاني، عبر جبال طوروس، وتوسعت بقوة في شمال بلاد الرافدين. وفي هذه البيئة المتقلبة، كان على الحكام الكرد شق طريقهم بين قوى متنافسة متعددة للبقاء.
بعد موت باذ، واجهت الإمارة المروانية غارات عقابية بيزنطية حول بحيرة وان. وفي 992، استطاع باسيل الثاني التفاوض على سلام دائم مع الأسرة الكردية. وحين تنقل باسيل عبر الحدود الشرقية في 1000م، بعد ضم المملكة الجورجية لداڤيد الثالث حاكم تاو، استقبل ممهد الدولة بتكريم، وأضفى الطابع الرسمي على العلاقة بمنح الألقاب الإمبراطورية بصورة غير مسبوقة.
الاتفاق وشروطه
تضمن الاتفاق ثلاثة عناصر رئيسية. أولا، منح الأمير الكردي لقبي ماگيستروس، ماكسيتروس، ودوق الشرق. ففي النظام البيزنطي، كان ماگيستروس إحدى أعلى رتب البلاط، وحمل «دوق الشرق» سلطة عسكرية فعلية، إذ جعل صاحبه القائد العسكري الأعلى للإمبراطورية على الحدود الشرقية. وكان حمل حاكم كردي مسلم هذه الألقاب غير مسبوق. وأشار إلى أن بيزنطة ترى الأمير المرواني شريكا رسميا في حفظ النظام الحدودي، متجاوزة اعتباره خصما أو تابعا.
ثانيا، تضمن الاتفاق وعدا بأن تأتي القوات البيزنطية الإمبراطورية للدفاع عن الإمارة المروانية إذا تعرضت لهجوم خارجي. وكان ذلك عمليا معاهدة دفاع مشترك، أحد أهم أشكال الالتزام الدبلوماسي الذي تستطيع دولة تقديمه لأخرى.
ثالثا، أرسى الاتفاق إطارا للتعايش السلمي على الحدود. واستخدم ممهد الدولة فرصة التقاط الأنفاس لتنفيذ أشغال عامة كبيرة: ترميم أسوار ميافارقين، ولا يزال نقش يخلد هذا العمل باقيا اليوم، وإعادة بناء التحصينات وتطوير البنية التحتية. كانت الإمارة الكردية تبني، إلى جانب بقائها بين الإمبراطوريات.
العصر الذهبي في عهد نصر الدولة
بلغت الأسس الدبلوماسية التي أرساها الاتفاق البيزنطي المرواني أكمل تعبير عنها في عهد نصر الدولة أحمد بن مروان، الذي حكم خمسين سنة، 1011–1061، وترأس العصر الذهبي للأسرة المروانية. وكان نصر الدولة دبلوماسيا بالغ المهارة، يتنقل بين بيزنطة والخلافة الفاطمية المصرية وأمراء بغداد البويهيين ببراعة لافتة.
شيد قلعة جديدة في ميافارقين، وبنى الجسور والحمامات العامة، ورمم مرصدا. وعظمت سمعته حتى دعاه سكان الرها، شانلي أورفا الحالية، عام 1026 لتحريرهم من زعيم عربي؛ سكان مسيحيون يطلبون طوعا حماية حاكم كردي مسلم. وفي العصر المرواني يظهر أحد أقدم استخدامات كلمة «كردستان»، كيرتاستان، في العصور الوسطى، في مراسلات عسكرية، حين كتب قائد كردي إلى نصر الدولة يطلب تعزيزات «إن أردت إنقاذ سيادتك على كيرتاستان».
انتهى العصر الذهبي المرواني بوصول الأتراك السلاجقة، الذين ضموا الإمارة تدريجيا إلى إمبراطوريتهم المتوسعة بحلول 1085. لكن طوال قرن، أثبتت الأسرة المروانية أن الحكام الكرد يستطيعون بناء دول مزدهرة، والحفاظ على تحالفات دولية، وحكم سكان متعددي الأعراق بتسامح ومهارة.
التسلسل الزمني للأحداث الرئيسية
983م — يؤسس باذ بن دوستك الإمارة المروانية بالاستيلاء على ميافارقين.
990م — يموت باذ في المعركة؛ ويخلفه ابن أخته الحسن بن مروان.
992م — يتفاوض باسيل الثاني على سلام دائم مع الإمارة المروانية.
997م — يصبح ممهد الدولة سعيد أميرا بعد وفاة الحسن.
1000م — يمنح باسيل الثاني ممهد الدولة لقبي ماگيستروس ودوق الشرق.
1011م — يتولى نصر الدولة أحمد العرش؛ ويبدأ عصر ذهبي يدوم خمسين سنة.
1026م — يستولي نصر الدولة على الرها بطلب سكانها.
1061م — يتوفى نصر الدولة بعد خمسين سنة من الحكم.
1085م — يضم الأتراك السلاجقة آخر الأراضي المروانية.
الميراث والأهمية للتاريخ الكردي
الاتفاق البيزنطي المرواني معلم بارز في التاريخ الكردي في العصور الوسطى. ويبين أن أعظم إمبراطورية مسيحية في عالم القرون الوسطى اعترفت بأسرة كردية قوة شرعية ذات سيادة، ودولة جديرة بتحالف رسمي وأرفع الأوسمة الإمبراطورية، تتجاوز الاتحاد القبلي أو مملكة قطاع الطرق.
تهم تجربة المروانيين أيضا لأنها تمثل نموذجا للحكم الكردي أعطى الأولوية للتعايش والواقعية على الحرب الأيديولوجية. وفي فترة عرف فيها العنف الحدود بين الإسلام والمسيحية، اختار المروانيون الدبلوماسية والتجارة والتبادل الثقافي. كانوا حكاما مسلمين سنة يحملون ألقابا مسيحية بيزنطية، ويحْمون رعايا مسيحيين أرمن، وبنوا دولة متعددة الأعراق ازدهرت قرنا.
لا تزال أسوار دياربكر البازلتية السوداء تحمل نقوشا مروانية. وتعود جسور العصور الوسطى في سيلڤان ووادي دجلة إلى العصر الذهبي للأسرة. ولا تزال الذاكرة الثقافية لميافارقين عاصمة كردية قوية. والقرن المرواني أحد أقوى المرتكزات التاريخية للوجود الكردي في أعالي بلاد الرافدين، والاتفاق البيزنطي المرواني أساسه الدبلوماسي.
أسئلة شائعة
ما الاتفاق البيزنطي المرواني؟
اتفاق دبلوماسي نحو 1000م بين الإمبراطور باسيل الثاني والأمير المرواني الكردي ممهد الدولة. ومنح باسيل الحاكم الكردي لقبي ماگيستروس ودوق الشرق، في أول مرة تُمنح فيها هذه الأوسمة لحاكم مسلم، ووعد بمساعدة عسكرية إذا هوجمت الإمارة.
هل كان المروانيون كردا؟
نعم. وفقا لمعظم المصادر الأكاديمية، كان المروانيون أسرة كردية من القبيلة الحميدية. وحكموا من ميافارقين، سيلڤان الحالية، وآمد، دياربكر، وسكوا نقودهم، وحافظوا على جيش محترف، وحكموا منطقة ديار بكر لأكثر من قرن، 983–1085م.
لماذا يهم هذا الاتفاق التاريخ الكردي؟
يثبت أن أعظم إمبراطورية مسيحية في عالم العصور الوسطى اعترفت بأسرة كردية قوة شرعية ذات سيادة. ومُنح المروانيون أعلى الألقاب البيزنطية، وتلقوا تعهدا بالدفاع المشترك، ومارسوا الدبلوماسية على قدم المساواة، مما يبين أن الدولة الكردية في هذا العصر كانت حقيقة دولية معترفا بها.
المراجع وقراءات إضافية
ويكيبيديا — الأسرة المروانية، ديار بكر
دي إمپيراتوريبوس رومانيس — باسيل الثاني
بلاوم، پي، تاريخ الأسرة المروانية الكردية، 983–1085، الدراسات الكردية، المجلد 5، 1992.
المركز الكردي للدراسات — تسعة قرون من العلاقات الكردية التركية
