صباح30 أكتوبر1918، في ميناء جزيرة ليمنوس اليونانية وعلى متن السفينة الحربية البريطانية «إتش إم إس أگاممنون»، وقع وفد من الضباط العثمانيين هدنة مودروس، الوثيقة التي أنهت مشاركة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وفتحت الطريق لاحتلال الحلفاء قلب الدولة. وكان الصدر الأعظم العثماني الذي أجاز ذلك الوفد وتفاوض على الشروط السياسية لاستسلام بلاده رجلاً كردياً: أحمد عزت باشا، المعروف بأحمد عزت باشا الكردي، أحد أكفأ القادة العسكريين الذين أنجبتهم الدولة العثمانية، ورجل تتبعت مسيرته المسار الكامل للقوة العثمانية من أزمة أواخر القرن التاسع عشر إلى هزيمتها النهائية.
أن يكون الرجل الذي أشرف على الاستسلام العسكري للدولة العثمانية كردياً إحدى مفارقات التاريخ الأشد دلالة. فالدولة التي اتجهت في سنواتها الأخيرة إلى قومية تركية متزايدة الإقصاء أنهت حربها بيد رجل أعلن اسمه نفسه تراثه الكردي. وكان عسكرياً أصيلاً، دقيقاً ومحترفاً وحذراً سياسياً وشديد الشك في المغامرات التي دفعت الدولة إلى حرب كارثية لا تستطيع كسبها. وعارض دخول العثمانيين الحرب العالمية الأولى، ودعا إلى الحذر حين دعا غيره إلى الهجوم. وكان محقاً مراراً وتجاهلوه مراراً. وحين حان الحساب، وقعت عليه مهمة معالجة الكارثة التي صنعها الآخرون.
جدول المحتويات
1. الجزء1: الجذور الكردية والتكوين العثماني
3. الجزء3: حروب البلقان وأزمة الدولة
4. الجزء4: معارضة الحرب — تحذير عسكري
6. الجزء6: الصدارة العظمى والهدنة
7. الجزء7: ما بعد الهدنة والإرث
الجزء1: الجذور الكردية والتكوين العثماني
وُلد أحمد عزت باشا عام1864 في أسرة كردية في الأراضي العثمانية الشرقية. وشأنه شأن شخصيات كردية كثيرة في طبقة الضباط العثمانيين، لم تُوثق التفاصيل الدقيقة لخلفيته الأسرية بالقدر نفسه الذي وُثق به مساره العام. والثابت أنه عُرف طوال مسيرته باسم «الكردي»، وهو وصف لم يظهر انتقاصاً، بل تعريفاً بسيطاً بخلفيته رأى معاصروه أنه ذو صلة، وحمله هو نفسه من دون اعتذار.
تلقى تعليمه في نظام المدارس العسكرية العثمانية، وأظهر منذ سن مبكرة الصفات التي ميزت مسيرته: كفاءة تقنية استثنائية وجدية مهنية وذكاء سياسي أتاح له اجتياز حقل ألغام الفصائل في السياسة العسكرية العثمانية المتأخرة من دون أن يدمره. وكانت هويته الكردية حقيقية، لكنها غير مشحونة سياسياً؛ فهو ضابط عثماني صادف أنه كردي، يعمل في نظام ظل يحافظ على التصور الوهمي بأن العرق لا يحدد الترقي المهني.
الجزء2: صناعة قائد
شمل تعليم أحمد عزت باشا العسكري الدراسة في ألمانيا، وهي علامة مهمة في طبقة الضباط العثمانيين المتأخرة، إذ مثل التدريب العسكري الألماني المعيار الأعلى للاحتراف في العالم العثماني آنذاك. وتدرج بثبات في الرتب، واكتسب الخبرة التقنية وتجربة القيادة اللتين جعلتاه أحد أكثر كبار ضباط الدولة موثوقية. وخدم في مواقع الأركان والقيادات الميدانية، وبنى علاقات مع كبار الضباط وسمعة حسن التقدير التي أوصلته أخيراً إلى أعلى مستويات القيادة العسكرية العثمانية.
الجزء3: حروب البلقان وأزمة الدولة
كانت حروب البلقان عامي1912–1913 أحلك ساعات الدولة العثمانية قبل الحرب العالمية الأولى، هزيمة عسكرية كارثية كلفتها معظم أراضيها الأوروبية، ودفعت مئات الآلاف من اللاجئين المسلمين إلى الأناضول. وخدم أحمد عزت باشا في حروب البلقان، واكتسب خبرة قيادة في ظروف جيش متراجع صعبة. وأكد أداؤه آنذاك سمعته في الحفاظ على الانضباط وتنفيذ العمليات بكفاءة حتى في الظروف المعاكسة. وشددت العواقب السياسية لحروب البلقان قبضة جمعية الاتحاد والترقي على السلطة، وسرعت الاتجاه نحو النزعة القومية التركية الإقصائية.
الجزء4: معارضة الحرب — تحذير عسكري
حين تحركت جمعية الاتحاد والترقي لإدخال الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا والنمسا والمجر عام1914، كان أحمد عزت باشا ممن نصحوا بالحذر. وأدرك، بوضوح عسكري محترف شهد الوضع الحقيقي للجيش العثماني في حروب البلقان، أن الدولة ليست في حالة تسمح بخوض حرب كبيرة. وفهم خطر التحالف الألماني: إذا خسرت ألمانيا، خسرت الدولة معها. ولم تُؤخذ تحذيراته. وانبهرت قيادة الاتحاد والترقي بالنجاحات العسكرية الألمانية، وأدخلت الدولة الحرب إلى جانب ألمانيا. وكانت النتيجة كارثية، كما خشي عزت باشا.
الجزء5: قيادة القوقاز
رغم تحفظاته على الحرب، خدم أحمد عزت باشا بإخلاص في خوضها. وأُسندت إليه قيادة على جبهة القوقاز، حيث واجهت القوات العثمانية الجيش الإمبراطوري الروسي في إحدى أعنف ساحات الحرب. وكانت الظروف استثنائية في صعوبتها: برد قارس وتضاريس شبه مستحيلة وخطوط إمداد ممدودة إلى حد الانهيار وعدو أفضل تجهيزاً وأكثر عدداً. وأظهرت قيادته الصفات التي أوصلته إلى القيادة العليا: احترافية منهجية وقدرة على إبقاء العمليات متماسكة تحت ضغط شديد وذكاء تكتيكي يحسن استخدام الموارد المحدودة.
الجزء6: الصدارة العظمى والهدنة
بحلول خريف1918، أصبح الوضع العسكري العثماني غير قابل للاستمرار. وكانت القوات الألمانية تنهار على الجبهة الغربية، وأخرجت هدنة سالونيك بلغاريا من الحرب. وفرّ قادة الاتحاد والترقي، أنور وطلعت وجمال باشا، من إسطنبول على غواصة ألمانية، هاربين من عواقب الكارثة التي صنعوها. وفي هذا الحطام، عين السلطان محمد السادس أحمد عزت باشا صدراً أعظم. وكان ذلك التعبير الأقصى عن استدعاء الدولة أكثر محترفيها ثقة: رجل عارض الحرب، وحافظ على سمعته في النزاهة والكفاءة خلال كوارثها، وامتلك ما يكفي من المصداقية لدى قوى الحلفاء للثقة به شريكاً في التفاوض.
وقد فعل ذلك بكرامة. وأنهت هدنة مودروس، الموقعة في30 أكتوبر1918، مشاركة العثمانيين في الحرب. وكانت شروطها قاسية؛ إذ تحتل قوات الحلفاء نقاطاً استراتيجية في أنحاء الدولة، ويُسرح الجيش العثماني. لكن عزت باشا تفاوض ضمن المجال المتاح له. وكان رجل كردي قد قاد قوات الدولة وأشرف على النهاية الرسمية لحربها. ولم يخدم صدراً أعظم إلا مدة وجيزة، إذ استقال بعد توقيع الهدنة.
الجزء7: ما بعد الهدنة والإرث
توفي أحمد عزت باشا الكردي في31 مارس1937، قبل الحسم الكامل لاضطرابات ما بعد الحرب، وقبل معاهدة لوزان والتأسيس النهائي للجمهورية والسياسات التي حددت معنى المواطنة التركية للكرد. ولم يعش ليرى انتفاضة الشيخ سعيد عام1925 أو التفكيك المنهجي للحياة الثقافية الكردية الذي تلاها. وعاش ومات كما كان دائماً: ضابطاً عثمانياً صادف أنه كردي، يخدم الدولة التي تدرب لخدمتها.
أهميته للتاريخ الكردي عظيمة ولم تنل حقها من التقدير. فقد كان أعلى شخصية سياسية كردية مرتبة في التاريخ العثماني، صدراً أعظم ورئيس حكومة الدولة، ولو لفترة وجيزة. وتقف مسيرته دليلاً على ما تستطيع الموهبة الكردية تحقيقه حين تُتاح لها الفرصة، وتذكيراً بمدى إغلاق القوميات التي حلت محل النظام العثماني تلك الفرصة تماماً.
التسلسل الزمني لحياة أحمد عزت باشا الكردي
1864 — وُلد في أسرة كردية في الأراضي العثمانية الشرقية.
عقد1890 — تعليم عسكري يشمل التدريب في ألمانيا؛ ويتدرج في رتب الضباط العثمانيين.
1912–1913 — حروب البلقان؛ ويخدم في ظروف التراجع العسكري العثماني الصعبة.
1914 — يعارض دخول العثمانيين الحرب العالمية الأولى؛ وقيادة الاتحاد والترقي تتجاهل تحذيراته.
1914–1917 — يقود القوات العثمانية على جبهة القوقاز ضد روسيا.
أكتوبر1918 — يعينه السلطان محمد السادس صدراً أعظم مع انهيار الوضع العسكري للدولة.
30 أكتوبر1918 — توقيع هدنة مودروس؛ وانتهاء مشاركة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى.
1920 — يتوفى؛ ولا يعيش ليرى تأسيس الجمهورية التركية.
المراجع
1. زورخر، إريك يان. «تركيا: تاريخ حديث». آي بي توريس، 2004.
2. إريكسون، إدوارد ج. مأمورون بالموت: تاريخ الجيش العثماني في الحرب العالمية الأولى. گرينوود پرس،2001.
3. فرومكين، ديڤيد. سلام ينهي كل سلام. هولت پيپرباكس،1989.
4. ماكدوول، ديفيد. تاريخ حديث للكرد. آي بي توريس، 1996.
5. مساهمو ويكيبيديا. أحمد عزت باشا الكردي. https://en.wikipedia.org/wiki/Kurd_Ahmet_Izzet_Pasha
الأسئلة الشائعة
من كان أحمد عزت باشا الكردي؟
كان أحمد عزت باشا الكردي (1864–1937) مشيراً ورجل دولة عثمانياً كردياً، خدم صدراً أعظم للدولة العثمانية في أكتوبر1918، مما جعله أعلى شخصية سياسية كردية مرتبة في التاريخ العثماني. وكان أحد أكفأ القادة العسكريين للدولة، وعارض دخولها الحرب العالمية الأولى، واستُدعي للتفاوض على هدنة مودروس التي أنهت مشاركتها في الصراع.
ما هدنة مودروس؟
هدنة مودروس الاتفاق الموقع في30 أكتوبر1918 الذي أنهى مشاركة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى. ووُقع على متن «إتش إم إس أگاممنون» في ميناء ليمنوس باليونان، واشترط تسريح الجيش العثماني، ومنح قوى الحلفاء حق احتلال نقاط استراتيجية في أنحاء الدولة. وأجاز أحمد عزت باشا الكردي، بصفته صدراً أعظم، الوفد العثماني الذي وقعه.
لماذا يُعد أحمد عزت باشا الكردي مهماً للتاريخ الكردي؟
يمثل ذروة الإنجاز الكردي داخل النظام الإمبراطوري العثماني، كردياً صعد إلى منصب الصدر الأعظم، رئيس حكومة الدولة. وتظهر مسيرته الإمكانات التي أتاحها النظام العثماني للموهبة الكردية وحدود تلك الإمكانات أيضاً. ورغم قدرته ونزاهته، عمل داخل نظام يتجه باطراد إلى القومية العرقية التركية، وكانت هويته الكردية في النهاية حقيقة في سيرته أكثر منها برنامجاً سياسياً.
