الرواية المراجِعة لما بعد العثمانيين: مصطفى كمال أتاتورك
تحليل تاريخي

هل كان مصطفى كمال أتاتورك صهيونيًا يهوديًا يعمل لبريطانيا لتشكيل شعب «تركي» جديد وتمهيد الطريق لإسرائيل؟

لعقود، انتشرت رواية بديلة مستمرة في أوساط معينة عبر الشرق الأوسط وتركيا وخارجهما. وهي تزعم أن مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية الحديثة، لم يكن مجرد ضابط عسكري قومي تركي أنقذ الأناضول من التقسيم بعد الحرب العالمية الأولى. بل، وفقًا لهذه النظرية، كان عميلًا صهيونيًا يهوديًا مستترًا من جماعة (الدونمة)، يعمل بالتنسيق مع المصالح البريطانية. وتقول الرواية إن مهمته الحقيقية كانت تفكيك النظام الإسلامي العثماني، واختراع هوية قومية «تركية» علمانية جديدة، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط بطريقة سهّلت في النهاية إنشاء إسرائيل.

تباين في الكتابة التاريخية

الرواية السائدة: يصف المؤرخون السائدون أتاتورك بأنه ضابط عثماني وُلد مسلمًا في سالونيك، قاد حرب الاستقلال التركية ضد خطط الحلفاء للتقسيم، وأرسى تحديثًا جذريًا وإصلاحات علمانية. وترفض رواية المؤامرة البديلة هذه الفرضية، وتفسر تسلسل الأحداث نفسه تمامًا بوصفه حملة سرية مُدارة.

الادعاءات الأساسية للنظرية

يرى أنصار هذه الرواية تحولًا متتابعًا امتد عقودًا، بُني حول أربع ركائز رئيسية:

1

الأصول اليهودية/الدونمة

وُلد أتاتورك في 1881 في سالونيك (تسالونيكي)، وهي مدينة ذات عدد كبير من السكان اليهود وجماعة مهمة من الدونمة ؛ وهم أحفاد أتباع شبتاي تسڤي، المسيح اليهودي في القرن 17، الذين اعتنقوا الإسلام ظاهرًا، مع الادعاء بأنهم حافظوا على ممارسات يهودية سرية. ويشير المؤمنون بالنظرية إلى مكان ولادته، وإلى التحاقه بمدرسة شمسي أفندي (التي كان يديرها مربٍّ من الدونمة)، وإلى حكايات متنوعة غير موثّقة بشأن نسب أسرته، بوصفها أدلة مزعومة على أصول يهودية مستترة، مؤكدين أن شخصيته الإسلامية العلنية لم تكن سوى غطاء.

2

الرعاية البريطانية وتفكيك العثمانيين

بعد الهزيمة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، سعت بريطانيا وحلفاؤها إلى تفكيك الإمبراطورية ومنع أي قوة إسلامية متماسكة من السيطرة على المنطقة. وتقول النظرية إن أوساطًا بريطانية رفعت شأن أتاتورك أو دعمته، مباشرة أو بصورة غير مباشرة، بوصفه أداة للسياسة الواقعية. ويُعاد تأطير مقاومته العسكرية لمعاهدة سيفر والقوات اليونانية، لا بوصفها وطنية تركية خالصة، بل هدمًا مُتحكمًا فيه؛ إذ كان لا بد من إزالة النظام الإمبراطوري الإسلامي المتعدد الإثنيات لبناء دولة قومية منظمة.

3

تشكيل شعب «تركي» جديد

بعد توليه السلطة، ألغى أتاتورك الخلافة (1924)، وأغلق المدارس الدينية والطرق الصوفية، واستبدل الحرف العربي بالأبجدية اللاتينية، وفرض قواعد لباس غربية، وعلمن الأنظمة القانونية، وعزز هوية قومية متجذرة في ماضٍ أناضولي وآسيوي أوسط سابق للإسلام. ويزعم أنصار النظرية أن هذه الإصلاحات كانت هندسة اجتماعية متعمدة لقطع صلة السكان بالتضامن الإسلامي الشامل، وإنشاء أمة علمانية أكثر قابلية للتطويع وفق المصالح الغربية والاستراتيجية.

4

السيطرة الاستراتيجية والطريق إلى إسرائيل

تزعم الرواية أن تحييد المركز الإمبراطوري الإسلامي في إسطنبول وإقامة جمهورية علمانية خلّفا فراغًا إقليميًا مهّد الطريق للحكم الانتدابي البريطاني والفرنسي في بلاد الشام. ويُنظر من هذا المنظور إلى تحقيق وعد بلفور، ثم إنشاء إسرائيل في 1948، بوصفهما العائد الجيوسياسي الأكبر، مع قيام تركيا الحديثة بدور حاجز علماني معزول.

لماذا تستمر النظرية

يشير مؤيدو هذه القراءة البديلة إلى مجموعة من العوامل الظرفية والتاريخية:

  • الخلفية الديمغرافية: الحضور البارز لليهود والدونمة في سالونيك أواخر العهد العثماني، وبين الأوساط المبكرة للجنة الاتحاد والترقي (تركيا الفتاة).
  • مذكرات استخباراتية ودبلوماسية: برقيات دبلوماسية بريطانية من أوائل القرن 20 رُفعت عنها السرية، تكهنت بشأن النفوذ الماسوني واليهودي بين أعضاء تركيا الفتاة أو بالغت فيه.
  • العلمنة الجذرية: التفكيك السريع وغير المساوم لمؤسسات الدولة الإسلامية، الذي اعتبره منتقدون إسلاميون طويلًا عملًا متعمدًا ضد الإسلام.
  • دبلوماسية ما بعد الحرب: العلاقات الدبلوماسية التركية الإسرائيلية اللاحقة والحياد النسبي لتركيا الجمهورية المبكرة تجاه الأنشطة الصهيونية، مقارنة بالدول العربية المجاورة.
  • سياق سايكس–بيكو: التقسيم الأوسع للشرق الأوسط، الذي يدمجه أصحاب النظرية في مخطط رئيسي واحد موحّد.
الرأي المقابل السائد: يشير المؤرخون السائدون إلى فجوات زمنية خطيرة (توفي أتاتورك في 1938؛ وأُنشئت إسرائيل بعد عقد في 1948)، وإلى غياب مطلق لأدلة وثائقية أولية تثبت أي اتفاق بريطاني صهيوني سري. علاوة على ذلك، أعاقت معاركه العسكرية الموثّقة مباشرة خطط الحلفاء للتقسيم الإمبريالي. ويرد الأنصار بأن العمليات شديدة التخفي لا تترك سجلات رسمية، معتبرين أن النتيجة الجيوسياسية نفسها هي الدليل.

رواية تعيد تأطير النظام ما بعد العثماني

تتجاوز هذه النظرية في جوهرها التشكيك في الخلفية الشخصية لأتاتورك. فهي تؤدي دور تاريخ بديل شامل للشرق الأوسط الحديث: يُفسر الانهيار العثماني بوصفه انتقالًا مُدارًا، لا نتيجة إنهاك عسكري وضعف بنيوي؛ ويُعاد تأطير إنشاء تركيا الحديثة بوصفه إعادة هندسة ثقافية؛ وتُوضع ولادة إسرائيل ضمن تصميم جيوسياسي متكامل امتد قرنًا.

«لدى من يقبلون هذه الرواية، ليس أتاتورك «أبا الأتراك» بالمعنى التقليدي. بل يُنظر إليه بوصفه الشخصية التي ساعدت في تصنيع شعب جديد ونظام إقليمي جديد، كانت المصالح الغربية الاستراتيجية الساعية إلى الهيمنة على الشرق الأوسط ما بعد العثماني المستفيد النهائي منهما».