في صورة بدرجات البني تعود إلى 1885، تقف ثلاث نساء بوقار في أزياء تقليدية، وتتداخل في ملامحهن العزيمة والإصرار الهادئ. إنهن أنانديباي جوشي من الهند، وكي أوكامي من اليابان، وثبات إسلامبولي من سوريا، أولى الطبيبات المرخصات في بلدانهن. وبينما وجدت قصتا جوشي وأوكامي بعض الحضور في السرد التاريخي، لا تزال ثبات إسلامبولي محاطة بالغموض، وهي رائدة تجسد حياتها روح النساء التي لا تلين في تحدي الأعراف الاجتماعية أواخر القرن 19.
في هذا المقال المطول، ستتعرف إلى حياة ثبات إسلامبولي الغامضة، 1867-1941، من بداياتها المتواضعة في سوريا العثمانية إلى تعليمها الرائد في أمريكا وسنواتها اللاحقة قليلة التوثيق في مصر. وسنتناول السياق التاريخي الذي شكل حياتها، والتحديات التي واجهتها، وإرثها المستمر رمزًا للصمود لدى النساء في الطب، وفي التراث الكردي والمجتمعات اليهودية. إنها قصة ملهمة تبرز كيف يمكن لسعي امرأة واحدة إلى المعرفة أن يتردد صداه عبر الأجيال.
المحتويات
الحياة المبكرة في سوريا العثمانية
الخلفية الثقافية والتاريخية
وُلدت ثبات إسلامبولي في 1867 بدمشق، المدينة النابضة بالحياة في قلب سوريا العثمانية، في عصر تحولات عميقة. وكانت الدولة العثمانية، التي امتدت أراضيها الشاسعة عبر أوروبا وآسيا وأفريقيا، تخوض مساعي التحديث المعروفة بإصلاحات التنظيمات. وهدفت هذه الإصلاحات إلى مركزية السلطة وتعزيز المساواة بين الرعايا وإدخال مؤثرات غربية، ومنها التعليم والرعاية الصحية. غير أن فرص النساء، ولا سيما المنتميات إلى جماعات الأقليات، ظلت محدودة للغاية.
كانت دمشق، التي كثيرًا ما وُصفت بلؤلؤة الشرق، ملتقى للثقافات والأديان والإثنيات. فقد تعايش العرب والكرد والأتراك واليهود والمسيحيون والمسلمون في نسيج اجتماعي معقد. وانتمت ثبات إلى الجماعة الكردية اليهودية، ذات الجذور العميقة في المنطقة. وحافظ اليهود الكرد، المنحدرون من الإسرائيليين المنفيين في العصور القديمة، على تقاليد مميزة مع اندماجهم في المجتمعات المحلية. وتحدثوا لهجات كردية إلى جانب العربية والعبرية، وعمل كثير منهم في التجارة والحرف أو طلب العلم. ومن المرجح أن هذا التراث غرس في ثبات روح الصمود والفضول الفكري، وهما صفتان دفعتاها إلى طريق غير مسبوق.
في منتصف القرن 19، كانت أدوار النساء في المجتمع العثماني منزلية في معظمها. وكان تعليم الفتيات نادرًا، وكثيرًا ما اقتصر على التعليم الديني أو أساسيات القراءة والكتابة في الأسر الميسورة. وكان تصور عمل النساء في مهن، فضلًا عن الطب، فكرة ثورية. ومع ذلك، بدأت رياح التغيير تهب. فالمدارس التبشيرية، ولا سيما التي أدارها پروتستانت أمريكيون، بدأت تفتح أبواب التعليم للإناث في سوريا. وركزت هذه المؤسسات على القراءة والكتابة والعلوم، بل والطب أيضًا، فزرعت بذورًا مهدت لرائدات لاحقات مثل ثبات.
الخلفية الأسرية والمؤثرات
تفاصيل أسرة ثبات قليلة، لكن السجلات التاريخية توحي بأنها نشأت في بيت كردي يهودي متواضع وداعم. ويعكس اسمها الكامل، ثبات م. إسلامبولي، وصِيَغه المختلفة مثل تابات إسلامبولي أو ثابات إسلامبولي، التنوع اللغوي لأصولها؛ وربما اشتُق «إسلامبولي» من «إستانبولي»، بما يشير إلى صلات بإسطنبول العثمانية. ويُفترض أن أسرتها كانت تقدر التعليم، إذ تطلب إرسال ابنة إلى الخارج للدراسة العليا موارد كبيرة وتفكيرًا تقدميًا.
واجهت الجماعة الكردية اليهودية في دمشق تحديات خاصة. فلم تكن معاداة السامية والتوترات الإثنية أمرًا نادرًا، ومع ذلك ازدهرت الجماعة في التجارة والثقافة. وربما تأثر قرار ثبات بدراسة الطب باهتمام جماعتها بالعلاج والعلم، المتجذر في تقاليد يهودية مثل تركيز التلمود على صون الحياة. كذلك شهد العصر انفتاحًا متزايدًا على الأفكار الغربية عبر طرق التجارة والمبشرين، وهو ما قد يكون أيقظ طموحها.
كان على ثبات، وهي شابة، أن تشق طريقها في مجتمع يُعد الحجاب والفصل بين الجنسين فيه من الأعراف لدى كثيرين. ويكشف تحررها من هذه القيود للدراسة في الخارج الكثير عن عزيمتها. وفي أواخر مراهقتها، وضعت الولايات المتحدة نصب عينيها، بوصفها أرضًا ترمز إلى الفرص، لكنها كانت بدورها مليئة بالأحكام المسبقة ضد المهاجرين والنساء.
يمهد هذا القسم وحده لفهم رحلة ثبات الاستثنائية، مبينًا كيف صنعت بيئتها المبكرة امرأة تفتح طرقًا جديدة.
الرحلة إلى أمريكا: الدراسة في كلية الطب للنساء
عبور المحيطات: الوصول والتكيف
في 1885، وهي في سن 18، انطلقت ثبات إسلامبولي في رحلة خطرة عبر الأطلسي إلى فيلادلفيا في پنسلفانيا. ولم يكن هذا انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل قفزة إلى المجهول، تتحدى الحواجز الثقافية واللغوية والحواجز القائمة على النوع الاجتماعي. وكانت الولايات المتحدة في عقد 1880 تشهد تصنيعًا سريعًا ووصول موجات من المهاجرين، لكن النساء، ولا سيما الأجنبيات، واجهن التشكيك في المجالات المهنية.
التحقت ثبات بكلية الطب للنساء في پنسلفانيا، التي تأسست في 1850 بوصفها أول مؤسسة مخصصة لتدريب الطبيبات. وكانت الكلية منارة للنساء المستبعدات من كليات الطب التي يهيمن عليها الرجال. واجتذبت طالبات من دول أخرى، منهن معاصرتا ثبات، أنانديباي جوشي وكي أوكامي، فشكلن ثلاثيًا يرمز إلى تمكين النساء عالميًا.
لا بد أن التكيف مع الحياة الأمريكية كان مرهقًا. فقد وصلت ثبات بزي كردي تقليدي، كما تظهرها صورة 1885 الشهيرة، متزينة بالحلي وغطاء للرأس، وتحمل آلة وترية ربما أشارت إلى جذورها الثقافية. ومن المرجح أن حاجز اللغة بين الإنجليزية والعربية أو الكردية، والصدمة الثقافية والحنين إلى الوطن، كانت عقبات أمامها، لكن إصرارها ظل واضحًا.
المنهج الدراسي والحياة الأكاديمية
كان منهج كلية الطب للنساء في پنسلفانيا صارمًا، وشمل التشريح وعلم وظائف الأعضاء والكيمياء والتوليد والجراحة، وهي موضوعات محظورة على النساء في أماكن أخرى. ودرست ثبات من 1885 إلى 1890، منغمسة في المحاضرات والتشريح والدورات السريرية. وركزت الكلية على التدريب العملي، فعملت الطالبات في مستشفيات تعالج الفئات المحرومة من الخدمات الكافية، ومن بينها المهاجرون.
توفر قصص زميلاتها سياقًا لفهم تجربتها. فأنانديباي جوشي، التي تزوجت في التاسعة وترملت شابة، اتجهت إلى الطب لمساعدة نساء الهند. وسعت كي أوكامي، بدعم من المبشرين، إلى تحديث الرعاية الصحية اليابانية. أما ثبات، بوصفها يهودية كردية من سوريا، فقد مثلت بوادر الحراك النسوي في الشرق الأوسط. وتحدين معًا فكرة أن الطب حكر على الرجال.
أشرف أعضاء هيئة التدريس في الكلية على هؤلاء الطالبات، وكان كثير منهم نساء رائدات بدورهن. وقد دافعت العميدة راشيل بودلي عن قبول الطالبات من دول أخرى، إيمانًا بإسهامات النساء العالمية في الطب. وأثمر تفوق ثبات الأكاديمي تخرجها في 1890، لتصبح أول امرأة سورية معروفة تنال شهادة طب غربية.
شهدت هذه المرحلة تحول ثبات من فتاة فضولية في دمشق إلى طبيبة مؤهلة، مستعدة لإحداث أثر في وطنها.
التخرج والعودة إلى الشرق الأوسط
المحطة المهمة في 1890
كان تخرج ثبات في 1890 انتصارًا لها وللنساء في العالم أجمع. واحتفى حفل كلية الطب للنساء بالخريجات، وتلقت ثبات شهادة الدكتوراه في الطب وسط التصفيق. وكانت الصحف تذكر الطالبات الأجنبيات أحيانًا، مبرزة خلفياتهن غير المألوفة بوصفها رموزًا للتقدم.
يُعتقد أن ثبات عادت إلى دمشق بعد تخرجها. وكانت الرعاية الصحية في سوريا العثمانية بدائية، تعتمد على المعالجين التقليديين ومؤثرات غربية محدودة. وبوصفها طبيبة، فمن المرجح أنها ركزت على صحة النساء والأطفال، وهما مجالان قيدت الأعراف الثقافية عمل الأطباء الرجال فيهما.
ممارسة الطب في دمشق
لا توجد إلا وثائق قليلة عن عملها، لكن الأدلة المستمدة من السياق توحي بأنها عالجت مرضى من جماعتها. وفي الشرق الأوسط، مهدت نساء مثل الحكيمات المصريات، أي القابلات المدربات، الطريق، غير أن تدريب ثبات الغربي ميزها. وربما عملت في عيادات تبشيرية أو مارست الطب الخاص، وعالجت مشكلات مثل وفيات الأمهات والأمراض المعدية الشائعة في المنطقة.
شملت مساعي الدولة العثمانية للتحديث إصلاحات صحية، لكن الطبيبات كن نادرات. وربما ألهم حضور ثبات فتيات محليات وتحدى البنى الأبوية. غير أن المقاومة الاجتماعية، من المحافظين الدينيين إلى الغيرة المهنية، شكلت على الأرجح عقبات أمامها.
للمزيد عن تاريخ طب النساء في المنطقة، راجع هذا المقال عن الصراعات المرتبطة بالنوع الاجتماعي في طب الشرق الأوسط.
الحياة في القاهرة: السنوات اللاحقة الغامضة
الانتقال إلى مصر
بحلول 1919، كانت ثبات قد انتقلت إلى القاهرة في مصر، وفق سجلات خريجات كلية الطب للنساء في پنسلفانيا. وتزامن هذا الانتقال مع اضطرابات ما بعد الحرب العالمية الأولى: انهيار الدولة العثمانية، وخضوع سوريا للانتداب الفرنسي، وتصاعد القومية. وربما دفعت حالة عدم الاستقرار اليهود الكرد إلى الهجرة إلى القاهرة الأكثر تنوعًا وانفتاحًا، والتي ضمت جماعة يهودية نابضة بالحياة.
كانت القاهرة في عقد 1920 مركزًا للنشاط الفكري والثقافي، وأسهم النفوذ البريطاني في نمو المؤسسات الحديثة. ومن المرجح أن ثبات واصلت عملها الطبي، ربما في المستشفيات أو بين الجاليات اليهودية. وتشير بعض المصادر إلى أنها مارست الطب حتى وفاتها، وإن ظلت التفاصيل صعبة التتبع.
الأسرة والحياة الشخصية
تكثر التكهنات بشأن حياتها الشخصية. هل تزوجت؟ وهل أنجبت أطفالًا؟ ويُقال إن أفرادًا من نسلها يعيشون في كندا، مما يلمح إلى امتداد إرثها الأسري. وربما شملت حياتها في القاهرة، وسط الحركة النسوية المصرية التي قادتها شخصيات مثل هدى شعراوي، نشاطًا دفاعيًا عن الحقوق، لكن لا سجلات تؤكد ذلك.
توفيت ثبات في 1941 عن عمر 74 سنة، وسط اضطرابات الحرب العالمية الثانية. ومرت وفاتها دون أن تلفت اهتمامًا يُذكر، لكن قصتها باقية شاهدًا على المثابرة الهادئة.
لقراءة ذات صلة، اطلع على هذا المقال عن النساء الرائدات في الطب.
تحديات النساء الرائدات في الطب
الحواجز الاجتماعية والثقافية
واجهت الرائدات مثل ثبات تحديات متعددة الجوانب. ففي المجتمع العثماني، خضعت أدوار النساء العامة للتدقيق، وعُد الطب عملًا ينافي الحشمة. وفي الخارج، أضافت العنصرية وكراهية الأجانب طبقات أخرى من الصعوبات؛ فكثيرًا ما نُظر إلى المهاجرات بوصفهن ظواهر غريبة، لا ندّات متساويات.
العقبات المهنية
قاومت المؤسسات الطبية إدماج النساء. ففي الولايات المتحدة، مُنعت النساء من الانضمام إلى كثير من الجمعيات، وفي الشرق الأوسط خفضت القوى الاستعمارية مكانة النساء المدربات إلى العمل في التمريض. وربما ضاعفت هوية ثبات اليهودية الكردية ما واجهته من تمييز.
التضحيات الشخصية
كانت الكلفة النفسية هائلة، من الانفصال عن الأسرة إلى العزلة الثقافية. ومع ذلك، واصلت هؤلاء النساء مسيرتهن ومهدن طرقًا للأجيال اللاحقة.
الإرث والتأثير في الطب الحديث
إلهام النساء في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات
تلهم قصة ثبات النساء السوريات والكرديات واليهوديات اليوم. وفي سوريا، حيث تشكل الطبيبات الآن نسبة كبيرة، يحمل دورها الرائد أهمية تأسيسية.
الأثر التاريخي الأوسع
تتقاطع حياتها مع موضوعات الهجرة والنسوية والتعدد الثقافي. وهي، إلى جانب جوشي وأوكامي، رمز للتضامن العالمي بين النساء.
الدلالة المعاصرة
في عصر يستمر فيه عدم المساواة بين الجنسين، تذكرنا ثبات بهشاشة التقدم. ويشجع إرثها الدفاع عن تعليم النساء في مناطق النزاع.
لمزيد من الاستكشاف، راجع هذا المدخل في ويكيبيديا عن اليهود الكرد.
توسيع النظر في السياق الثقافي
في سوريا العثمانية، أتاح نظام الملل للجماعات الدينية استقلالًا ذاتيًا، لكن حقوق النساء تفاوتت. وواجه اليهود الكرد تهميشًا مزدوجًا، ومع ذلك برز بينهم علماء. وربما بدأ تعليم ثبات في كنيس محلي أو مدرسة تبشيرية...
الأحداث الرئيسية والتسلسل الزمني
1867: وُلدت في دمشق بسوريا العثمانية لأسرة كردية يهودية.
1885: وصلت إلى الولايات المتحدة والتحقت بكلية الطب للنساء في پنسلفانيا.
1890: تخرجت بشهادة الدكتوراه في الطب، وأصبحت أول طبيبة معروفة من سوريا.
بعد 1890: عادت إلى دمشق لممارسة الطب.
1919: انتقلت إلى القاهرة في مصر.
1941: توفيت في القاهرة عن عمر 74 سنة.
قسم الأسئلة والأجوبة
من كانت ثبات إسلامبولي؟
كانت ثبات إسلامبولي، 1867-1941، طبيبة رائدة، وأول امرأة معروفة من سوريا تنال شهادة طب من جامعة غربية.
ما خلفيتها الإثنية؟
كانت من أصول كردية يهودية، ووُلدت في دمشق.
أين درست الطب؟
في كلية الطب للنساء في پنسلفانيا بالولايات المتحدة، وتخرجت في 1890.
ماذا حدث لها بعد التخرج؟
عادت إلى دمشق، ثم انتقلت إلى القاهرة في 1919، وتوفيت هناك في 1941.
لماذا تهم قصتها اليوم؟
لأنها تبرز نضال النساء وإنجازاتهن في الطب، وتلهم المساواة بين الجنسين في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.
خاتمة
تؤكد حياة ثبات إسلامبولي، رغم ما يحيط بها من غموض، الأثر العميق الذي يمكن لفرد واحد أن يتركه في التاريخ. وبوصفها امرأة كردية يهودية من سوريا أصبحت طبيبة رغم كل الصعاب، حطمت الحواجز ومهدت الطريق للأجيال اللاحقة. وتذكرنا قصتها بأهمية إتاحة التعليم والرعاية الصحية للجميع. ما رأيك في رائدات مثل ثبات؟ شاركنا في التعليقات أدناه!
المراجع والأعمال المستشهد بها
ويكيبيديا: ثبات إسلامبولي. https://en.wikipedia.org/wiki/Sabat_Islambouli
منظمة النهوض بالمرأة السورية: ثبات إسلامبولي، امرأة من التاريخ. https://www.upliftingsyrianwomen.org/sabat-islambouli-a-woman-of-history
أرشيفات ژيان: الدكتورة تابات م. إسلامبولي. https://www.thejiyanarchives.com/obituary/dr-tabatmislambouly
ميدريكروت: أولى النساء الرائدات في الطب. https://medrecruit.medworld.com/articles/the-pioneering-first-women-in-medicine-across-different-countries-and-cultures
ميديوم: أخوات الطب المنسيات. https://medium.com/be-open/the-forgotten-sisters-of-medicine-how-three-asian-women-rewrote-history-in-the-1880s-2f38366997c5(وهكذا بالنسبة إلى المصادر الأخرى المستخدمة.)
