جدول المحتويات

الجذور التاريخية للصراع العراقي الكردي

يمثّل الصراع الجيوسياسي والقومي العرقي بين الدولة العراقية وسكانها الكرد أحد أطول الصراعات الداخلية وأكثرها تعقيداً ودماراً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. وفي المركز المطلق لهذا النزاع خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وقف النظام البعثي الذي هيمن صدام حسين على بنيته، ثم حكمه في النهاية حكماً مطلقاً. وتحددت العلاقة بين صدام حسين والأقلية الكردية بمزيج متقلب ومتغيّر من الاستمالة الاستراتيجية والاتفاقات التي نُقضت بصورة منهجية والهندسة الديموغرافية العميقة، وانتهت بعنف إبادي على نطاق صناعي.

تسبق الجذور الأساسية للمسألة الكردية في العراق صعود صدام حسين، وتمتد إلى تقسيم الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى وإنشاء الدولة العراقية الحديثة تحت الانتداب البريطاني.1 وقد وجد الكرد، وهم جماعة عرقية أصيلة ذات خصائص لغوية وثقافية وتاريخية متميّزة، أنفسهم مقسّمين تعسفياً بين عدة دول قومية أُنشئت أو أُعيد تشكيلها حديثاً، ومنها العراق وإيران وتركيا وسوريا.3 

لوّحت معاهدة سيفر سنة 1920 في البداية بإمكان إنشاء إقليم كردي متمتع بالحكم الذاتي، لكنها سرعان ما استُبدلت بمعاهدة لوزان سنة 1923، التي أقرّت حدود الجمهورية التركية ولم تذكر الحقوق السياسية الكردية، وتركت السكان الكرد في شمال العراق تحت سيطرة الحكومة التي يهيمن عليها العرب في بغداد.5

في العراق، سرعان ما تطورت المنطقة الشمالية الجبلية إلى معقل صامد للقومية الكردية، وكثيراً ما اصطدمت بجهود المركزية التي بذلتها الحكومات المتعاقبة في بغداد.1 وكان النظام الدولي يعطي باستمرار أولوية لوحدة أراضي هذه الدول الناشئة على تطلعات الكرد القومية العرقية.2 فجمهورية مهاباد، مثلاً، وهي دولة كردية أُنشئت بدعم الاتحاد السوفيتي في إيران المجاورة سنة 1946، انهارت خلال أحد عشر شهراً بعد سحب الدعم السوفيتي. وقد أرسى ذلك نمطاً تاريخياً متكرراً يعتمد فيه الحكم الذاتي الكردي كلياً على الأولويات الاستراتيجية المتغيرة للقوى العظمى الخارجية، ويكون عرضة لتقلباتها.2

بدأ الصراع العراقي الكردي الحديث يتخذ صورته الحاسمة بعد الثورة العراقية سنة 1958، التي أطاحت بالملكية الهاشمية. فقد دعا الدكتاتور العسكري الجديد، اللواء عبد الكريم قاسم، مصطفى بارزاني، القائد الجذاب ذو القوة القبلية للحزب الديمقراطي الكردستاني، إلى العودة إلى العراق من منفاه في الاتحاد السوفيتي.1 وسرعان ما استخدم بارزاني الحزب للتنظيم خارج إطار انتماءاته القبلية المباشرة، فحوّله إلى تنظيم شبه عسكري سرّي قادر على ممارسة ضغط هائل على بغداد.7 

عندما انهارت المفاوضات المبكرة بشأن الحكم الذاتي الكردي كما كان متوقعاً، اندلعت الحرب العراقية الكردية الأولى سنة 1961.6 وتصاعد هذا الصراع المسلح الشاق، المعروف أيضاً بثورة أيلول، إلى حرب استنزاف التهمت موارد الدولة العراقية؛ وفي ذروة التمرد، قُدّر أن ثمانين في المئة من الجيش العراقي كله انخرطوا في عمليات قتالية ضد المقاتلين الكرد في جبال الشمال.6 وفي هذه البيئة من الإنهاك المنهجي للدولة والحرب الداخلية المستمرة، أحكم حزب البعث سيطرته على العراق سنة 1968، وجاء بشخصية سياسية شابة شديدة البراغماتية والقسوة تُدعى صدام حسين إلى مقدمة جهاز النظام الأمني.

وهم التسوية واتفاق الحكم الذاتي لعام 1970

عندما تسلّم حزب البعث السلطة سنة 1968، أدرك صدام حسين، بصفته نائب رئيس مجلس قيادة الثورة، أن الحرب المستمرة في الشمال نزيف لا يمكن تحمّله للموارد العسكرية والاقتصادية.6 وكان النظام يحتاج إلى الاستقرار لتثبيت سلطته الداخلية وإقصاء منافسيه السياسيين المحليين. ولذلك تحولت الحكومة من المواجهة العسكرية المطلقة إلى الانخراط الدبلوماسي الاستراتيجي مع مصطفى بارزاني والحزب الديمقراطي الكردستاني.6

في 11 آذار 1970، أصدرت الحكومة العراقية من جانب واحد مرسوماً تاريخياً أقرّ رسمياً اتفاق الحكم الذاتي العراقي الكردي.6 ومثّل الاتفاق نظرياً تحولاً هائلاً في التصور، إذ أقرّ بالطابع الثنائي القومية للدولة العراقية. ووعد بإنشاء إقليم كردي رسمي ذي حكم ذاتي، وبإشراك ممثلين كرد في السلطتين التنفيذية والتشريعية للحكومة المركزية، وبالاعتراف بالكردية لغة رسمية للدولة في المناطق التي تضم أغلبية سكانية كردية.10

لكن سلامة البنية الأساسية لاتفاق 1970 تقوّضت تقويضاً قاتلاً منذ بدايته، بفعل خلافات عميقة بشأن الحدود الإقليمية، ولا سيما الوضع الديموغرافي والإداري لمدينة كركوك.12 فقد قامت كركوك فوق بعض أكبر احتياطيات النفط في العالم وأسهلها استخراجاً، مما جعلها ضرورة اقتصادية مطلقة لطموحات الدولة العراقية التنموية والعسكرية.11 

نصّ اتفاق الحكم الذاتي صراحةً على إجراء تعداد وطني شامل لتحديد التركيب العرقي للسكان في كركوك وغيرها من المناطق المتنازع عليها، مثل خانقين وسنجار. وكانت نتائج هذا التعداد ستحدّد ما إذا كانت هذه المناطق ذات الأهمية الاقتصادية الحيوية ستخضع للإدارة الكردية ذات الحكم الذاتي المنشأة حديثاً، أم ستبقى تحت السيطرة المباشرة للحكومة المركزية في بغداد.11

عطّلت إدارة صدام حسين تنفيذ هذا التعداد عمداً وبصورة منهجية. فقد حسب النظام بدقة أن إحصاءً سكانياً عادلاً وشفافاً سيؤدي حتماً إلى ضم كركوك إلى الإقليم الكردي ذي الحكم الذاتي، ويحرم بغداد بذلك من السيطرة المطلقة على محركها الاقتصادي الرئيسي.11 وكانت الحقيقة الكامنة وراء اتفاق 1970 أن النظام البعثي لم يرَ منح الحكم الذاتي حقاً دستورياً دائماً وملزماً قانوناً للشعب الكردي، بل هدنة تكتيكية مؤقتة. وصُمّمت تحديداً لكسب الوقت اللازم لإعادة بناء جهازه العسكري، وتثبيت سلطته في بغداد، وتحييد شبكات الدعم الجيوسياسي الخارجي التي أبقت التمرد الكردي قائماً.

مع تعثر تنفيذ الاتفاق وتأجيل التعداد الموعود إلى أجل غير مسمّى، تدهورت العلاقات السياسية سريعاً. وبحلول سنة 1974، أصدرت الحكومة العراقية من جانب واحد قانوناً معدّلاً للحكم الذاتي، جاء أقل بكثير من المطالب الكردية، واستبعد صراحةً مناطق كركوك وخانقين الغنية بالنفط من الإقليم المعيّن للحكم الذاتي.11 وإدراكاً لسوء نية النظام البعثي، استقال الوزراء الكرد فوراً من الحكومة المركزية، وسحب الموظفون المدنيون الكرد تعاونهم، واستُؤنف الصراع المسلح الشامل، بما مثّل البداية الرسمية للحرب العراقية الكردية الثانية.6

المناورات الجيوسياسية واتفاق الجزائر لعام 1975

عند استئناف الكفاح المسلح ضد الجيش العراقي شديد التحصين، اعتمد الحزب الديمقراطي الكردستاني اعتماداً شبه كامل على شبكة معقدة من الدعم اللوجستي والمالي والعسكري السرّي الذي قدّمته دول خارجية. وكان أبرز هؤلاء الداعمين شاه إيران محمد رضا پهلوي، الذي أدّى دور القناة الرئيسية للمعدات العسكرية التي وفّرتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ودولة إسرائيل.6 ولم يكن الهدف العام لإيران قط تحقيق دولة كردية مستقلة ذات سيادة، إذ كان ذلك سيهدّد بشدة وحدة أراضي إيران نفسها، نظراً إلى أقلّيتها الكردية الداخلية الكبيرة.8 بل استخدم الشاه كرد العراق قوة بالوكالة لاستنزاف منافسه الإقليمي الرئيسي وزعزعة استقراره، وهو النظام القومي العربي في بغداد.8

في مواجهة حرب استنزاف مدمّرة بدت مستعصية على الانتصار، تغذيها موارد خارجية لا تنفد، دبّر صدام حسين خطوة بارعة من سياسة القوة الواقعية القاسية. ففي قمة منظمة البلدان المصدّرة للنفط، أوبك، المنعقدة في 6 آذار 1975، وبوساطة الرئيس الجزائري هواري بومدين، وقّع صدام حسين وشاه إيران اتفاق الجزائر على نحو مفاجئ.8 وفي تنازل عميق وشديد الجدل، وافق العراق على ترسيم الحدود المائية في مجرى شط العرب المتنازع عليه على أساس خط الثالويگ ، أي الخط الأوسط لأعمق قناة، بما يعني تقاسم السيادة مع إيران.8 وفي مقابل هذا التنازل الإقليمي الكبير، وافقت إيران على وقف جميع أشكال الدعم العسكري واللوجستي السرّي للتمرد الكردي العراقي، فوراً وكلياً وبصورة دائمة.8

كان أثر هذه المعاهدة الجيوسياسية على المقاومة الكردية فورياً وشاملاً وكارثياً. فبعد حرمان الثورة الكردية، بين ليلة وضحاها، من خطوط إمدادها عبر الحدود وأسلحتها المتقدمة ودعمها المالي وملاذاتها الآمنة، انهارت خلال أيام معدودة.8 وتقدّم الجيش العراقي سريعاً إلى جبال الشمال، من دون أن يواجه مقاومة منظّمة تُذكر. واضطر مصطفى بارزاني إلى أن يأمر مقاتليه من الپيشمرگة بالتوقف عن القتال، ثم فرّ إلى منفى دائم في إيران، وبعدها في الولايات المتحدة.7 وعندما سأله الصحفيون بإلحاح عن التخلي المفاجئ والكامل عن الحلفاء الكرد، برّر وزير الخارجية الأمريكي آنذاك هنري كيسنجر الخيانة بقوله الشهير: «لا ينبغي الخلط بين العمل السرّي والعمل التبشيري».19

كان اتفاق الجزائر سنة 1975 منعطفاً محورياً تحويلياً في تاريخ الصراع العراقي الكردي. فقد أثبت فاعلية استراتيجية صدام حسين في تحييد المعارضة القومية العرقية الداخلية عبر مساومات جيوسياسية كبرى ساخرة. والأهم أنه رسّخ سابقة خطيرة وباقية في حسابات صدام الاستراتيجية: إدراكه أن المجتمع الدولي يرى الكرد مجرد بيادق جيوسياسية يمكن الاستغناء عنها.3 وهذا التصور عن اللامبالاة الدولية أعطى النظام البعثي عملياً الضوء الأخضر للتحول التالي في نهجه، من القمع العسكري التقليدي إلى حملة شديدة التنظيم ترعاها الدولة، للهندسة الديموغرافية المنهجية والعنف الجماعي.

آلة نزع الملكية: التعريب

مع انهيار التمرد المسلح وتشتت القيادة الكردية في المنافي سنة 1975، بدأ النظام البعثي برنامجاً بيروقراطياً مكثفاً، لا هوادة فيه وعنيفاً، لتغيير التركيبة السكانية في مناطق الشمال الاستراتيجية. وهذه السياسة، المعروفة رسمياً باسم التعريب، صُمّمت لتأمين سيطرة الحكومة على موارد النفط القيّمة والأراضي الزراعية الصالحة في المنطقة بصورة دائمة لا رجعة فيها، وذلك بتغيير التكوين العرقي لكركوك وخانقين وسنجار ومخمور وغيرها من الأقضية المتنازع عليها تغييراً جوهرياً.11

لم تكن حملة التعريب سلسلة من عمليات الطرد العشوائية والفوضوية؛ بل نُفّذت عبر استراتيجية مزدوجة مؤطَّرة قانونياً بدرجة عالية، تقوم على التهجير الجماعي القسري للسكان غير العرب، واستقدام مستوطنين عرب من وسط العراق وجنوبه بحوافز من الدولة.15 وكانت العملية مقنّنة بكثافة، واستندت إلى إطار واسع من المراسيم القانونية الصادرة عن مجلس قيادة الثورة، لتمنح التطهير العرقي المنهجي قشرة من الشرعية الإدارية.15

الآليات الإدارية لحملة التعريب

لتنفيذ سياسات التعريب ، استخدمت حكومة صدام حسين عدة أدوات بيروقراطية، وحوّلت الجهاز القانوني للدولة عملياً إلى سلاح ضد مواطنيها من الأقليات. وتراوحت الآليات المستخدمة بين مصادرة الممتلكات ومحو الهوية التاريخية.

آلية السياسة

الوصف وأساليب التنفيذ

مصادرة الممتلكات ونزع الملكية بالقانون

استخدم مجلس قيادة الثورة تشريعات محددة، أبرزها المرسوم رقم 369 لسنة 1975، لإبطال سندات الملكية القانونية للكرد والتركمان والآشوريين المهجّرين من جانب واحد، وكثيراً ما كان ذلك بلا أي تعويض مالي.15 وأُمّمت الأراضي الزراعية الممتازة، فأصبحت ملكاً حصرياً للدولة العراقية، ثم نُقلت إلى قبائل عربية موالية.

إدارة تسوية الأراضي (دائرة التسوية)

أُعيد توظيف هذا الجهاز الإداري القائم، الذي صُمّم أصلاً لتثبيت سندات الأراضي من العهد العثماني، من جانب حزب البعث لفحص قطع الأراضي الفردية بصورة منهجية، وإبطال الملكية القانونية للأقليات العرقية رسمياً، فكان المحرك البيروقراطي للمصادرة الجماعية.15

الاستيطان العربي المدعوم بالحوافز

شُجّعت الأسر العربية، ومعظمها من الشيعة في المحافظات الجنوبية الفقيرة، على الانتقال إلى مدن شمالية مثل كركوك.13 وقدّمت الدولة حوافز مالية ضخمة ووظائف مضمونة ومساكن، وكثيراً ما منحتها ملكية قانونية صريحة للبيوت والأعمال الحضرية التي صودرت قسراً من الأسر الكردية والتركمانية المرحّلة.15

تغيير أسماء الأماكن والثقافة

سعت الحكومة إلى محو الهوية الكردية والتركمانية التاريخية للمنطقة، بتغيير أسماء الأحياء والمدارس والمعالم الجغرافية والبلدات رسمياً لتعكس التراث العربي والأيديولوجيا البعثية.21

كانت الكلفة البشرية لهذه الحملة البيروقراطية هائلة. فمن منتصف عقد 1970 حتى سقوط النظام النهائي سنة 2003، أُخرج مئات الآلاف من الكرد وغيرهم من الأقليات قسراً من بيوت أسلافهم. وشهدت الموجة الأولى بعد انهيار اتفاق الحكم الذاتي في 1974–1975 نقل عشرات الآلاف من رجال القبائل البارزانية قسراً من جبال الشمال إلى مواقع احتجاز قاحلة وقاسية في صحارى الجنوب، حيث تعرّضوا لحرمان شديد.15 واستخدمت الدولة القبائل العربية المنقولة إلى الشمال، مثل قبيلة الفهد التي نُقلت من الكوت إلى السليمانية سنة 1975، أدوات لتثبيت التركيبة السكانية وترسيخ السيطرة البعثية.23

الإفناء الإداري: تصحيح القومية

مع أن عمليات الترحيل الجماعي في عقدي 1970 و1980 نُفّذت في معظمها بذريعة الأمن العسكري، تطورت سياسة التعريب في عقد 1990 إلى آلية إدارية أشد خبثاً وأكثر تقنيناً، عُرفت باسم «تصحيح القومية».15 وتعرّض أفراد الأقليات الذين تمكّنوا من البقاء في المناطق الخاضعة للحكومة في كركوك والأقضية المحيطة بعد حرب الخليج سنة 1991 لإكراه شديد ومتواصل من قوات أمن الدولة لتغيير هويتهم العرقية رسمياً وتزويرها.

كان أفراد الأمن وكبار مسؤولي حزب البعث يزورون بانتظام بيوت الكرد والتركمان والآشوريين في كركوك.13 وخلال هذه الزيارات الترهيبية، كانت الأسر تُؤمر بتوقيع استمارات «تصحيح الهوية العرقية» الملزمة قانوناً، فتتخلّى رسمياً عن قوميتها الحقيقية وتسجّل نفسها عرباً في سجلات الدولة.13 ولم تكن هذه مجرد مسألة أوراق؛ إذ رفضت الحكومة العراقية في الوقت نفسه تسجيل المواليد الذين أُعطوا أسماء كردية أو أسماء عرقية غير عربية، لضمان محو الجيل التالي إحصائياً.20

رُبط الامتثال لتصحيح القومية أيضاً بابتزاز سياسي شديد وصريح. فلكي يبقى غير العرب الذين «صحّحوا» قوميتهم في بيوتهم، كانوا يُلزمون كثيراً بأن يصبحوا أعضاء نشطين في حزب البعث الحاكم، ويُجبرون على الخدمة في ميليشيات الدولة «التطوعية» المدججة بالسلاح، مثل جيش القدس ، أي الجيش المنسوب إلى القدس، أو فدائيي صدام ، أي الفدائيين التابعين لصدام.13 وكانت الأسر التي تضم شباناً مستهدفة على وجه الخصوص بهذا النوع من المضايقة، إذ سعى النظام إلى استيعاب المتمردين المحتملين في بناه شبه العسكرية.13

كان رفض الامتثال لهذه المطالب يؤدي إلى عقاب فوري وشديد. فالأسر التي قاومت توقيع استمارات تصحيح الهوية كانت تتلقى أوامر طرد رسمية.13 ولضمان مغادرة الأسرة فعلاً إلى الجيوب الخاضعة للسيطرة الكردية في الشمال، كانت الأجهزة الأمنية كثيراً ما تعتقل قريباً ذكراً وتحتجزه رهينة في سجون الحكومة، حتى يُخلي بقية أفراد الأسرة ممتلكاتهم ويسلّموا المفاتيح للمستوطنين العرب القادمين.13 وأفضت هذه الحملة المنظّمة بإحكام، والتي لا هوادة فيها من المضايقة والابتزاز، إلى التهجير القسري لنحو 120,000 شخص من منطقة كركوك بين 1991 و2000 وحدهما، في تحول ديموغرافي هائل صُنع بالإرهاب الإداري وحده.13

وفضلاً عن ذلك، استخدم النظام قوانين الجنسية الأوسع لمعاقبة من يعدّهم موضع شك سياسي. فبعد اندلاع التوترات مع إيران، أصدر مجلس قيادة الثورة القرار رقم 666 لسنة 1980، الذي قضى بأن الجنسية العراقية «تُسقط عن أي عراقي من أصل أجنبي إذا تبيّن أنه غير موالٍ للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة».24 

استُخدمت هذه الأداة القانونية المتعمّدة الغموض والواسعة التطبيق بكثافة ضد السكان الشيعة والكرد الفيليين المتهمين بالتعاطف مع إيران، وأدّت إلى الترحيل الجماعي لعشرات الآلاف من المواطنين عبر الحدود إلى إيران.24 ومُنح وزير الداخلية سلطة مطلقة لتنفيذ القرار، وتجريد الأفراد من جنسيتهم وحقوقهم بلا رقابة قضائية.24

الحرب العراقية الإيرانية: تصاعد الارتياب والانتقام

تصدّع المشهد الجيوسياسي للشرق الأوسط تماماً بالثورة الإيرانية سنة 1979، التي استبدلت الشاه المدعوم أمريكياً بحكم ديني شيعي راديكالي بقيادة آية الله روح الله الخميني.17 وفي أيلول 1980، سعياً لاستغلال ما عُدّ فوضى عسكرية إيرانية بعد الثورة، ولمنع تصدير الثورة الإسلامية إلى الأغلبية الشيعية العراقية المحرومة من الحقوق، ألغى صدام حسين اتفاق الجزائر لعام 1975 وغزا إيران. وأشعل بذلك صراعاً قاسياً من حرب الخنادق استمر ثماني سنوات وأودى بأكثر من مليون شخص.16

غيّر اندلاع الحرب العراقية الإيرانية العلاقة بين الدولة العراقية والفصائل القومية الكردية تغييراً جوهرياً. فقد أدرك الاتحاد الوطني الكردستاني المنشأ حديثاً، الذي أسّسه جلال طالباني بعد انهيار 1975، والحزب الديمقراطي الكردستاني الذي استعاد نشاطه بقيادة مسعود بارزاني، ابن مصطفى بارزاني، أن الحرب فرصة جيوسياسية حيوية.11 وإدراكاً لتركز معظم الجيش العراقي على الجبهتين الجنوبية والشرقية ضد إيران، تحالفت الميليشيات الكردية، أو الپيشمرگة، رسمياً مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.1 وتلقّت دعماً عسكرياً ولوجستياً كبيراً من طهران لفتح جبهة ثانية شديدة الفاعلية ضد الدولة العراقية في جبال الشمال الوعرة.1

اتّسم رد صدام حسين على هذا التحالف العسكري بارتياب بالغ وشخصي إلى حد عميق، ووحشية لا تلين. ففي خطاب النظام وحسابات القيادة العسكرية العراقية العليا، لم يعد الكرد يُنظر إليهم مجرد انفصاليين داخليين أو معارضين سياسيين؛ بل صُنّفوا رسمياً طابوراً خامساً، ووُصفوا صراحةً بـ«عملاء إيران»، وعُدّوا خونة يسهّلون بصورة نشطة اختراق عدوّ وجودي لأرض عراقية ذات سيادة.28

كان انتقام الدولة من هذا التعاون منهجياً وبلا رحمة. ففي سنة 1983، بعد نجاح العملية العسكرية المشتركة للحزب الديمقراطي الكردستاني وإيران، التي أدّت إلى الاستيلاء على بلدة حاج عمران الحدودية الاستراتيجية، أمر صدام حسين بانتقام مباشر من عشيرة بارزان.19 وطوّقت قوات الأمن العراقية معسكرات إعادة الإسكان التي احتُجز فيها البارزانيون منذ 1975، واعتقلت ما يُقدّر بـ8,000 رجل وفتى مراهق.19 

نُقلوا إلى مواقع صحراوية نائية في جنوب العراق، وأُعدموا بإجراءات موجزة على أيدي فرق إطلاق النار، ودُفنوا في مقابر جماعية بلا علامات.20 وأكّد مسعود بارزاني لاحقاً إعدام هذا العدد الكبير من أبناء عشيرته، بما مثّل مقدمة مروعة لا تُنكر لحملات الإبادة الشاملة التي سيطلقها النظام لاحقاً.19 وفضلاً عن ذلك، استخدم الجيش العراقي خلال المعارك حول حاج عمران الأسلحة الكيميائية لأول مرة ضد القوات الإيرانية ومقاتلي الپيشمرگة الكرد معاً، فانتهك محرّماً دولياً أساسياً ومهّد لجرائم لاحقة.31

مع تقدّم الحرب في منتصف عقد 1980، توغلت القوات الإيرانية عميقاً في كردستان العراق، بإرشاد خبير من الپيشمرگة المحليين عبر التضاريس الخطرة، فتسلّلت إلى البلدات واستولت على المواقع العسكرية الاستراتيجية وهدّدت البنية التحتية الحيوية.31 ولم يرَ صدام حسين ذلك مجرد إخفاق عسكري تكتيكي، بل خيانة وجودية عميقة من السكان الكرد، بما أرسى التبرير الأيديولوجي والنفسي لاستخدام جهاز الدولة العراقية كاملاً وبلا قيود لتدمير المجتمع الريفي الكردي تماماً.19

تحويل الإبادة الجماعية إلى صناعة: حملة الأنفال

بحلول سنة 1987، وصلت الحرب العراقية الإيرانية إلى جمود دموي، لكن النظام العراقي صمّم على القضاء الدائم على التمرد الكردي وإخضاع المنطقة الشمالية مرة واحدة وإلى الأبد. ولتنفيذ هذا الحل النهائي، عيّن صدام حسين ابن عمه علي حسن المجيد أميناً عاماً للمكتب الشمالي لحزب البعث.4 ومنح هذا التعيين المجيد سلطات دكتاتورية واسعة على جميع أجهزة الدولة والجيش والاستخبارات والأجهزة المدنية العاملة في المنطقة.19 وكان التفويض الصريح الذي تلقّاه من صدام حسين تدمير كردستان الريفية تدميراً كاملاً، و«ذبح المخربين» بصورة منهجية.19

بدأت استراتيجية الإبادة في ربيع 1987 بحملة تمهيدية منهجية لتدمير القرى، وإعلان مساحات واسعة ومكتظة من الريف الكردي «مناطق محظورة».32 ولتوفير إطار بيروقراطي للإبادة الجماعية الوشيكة، أُجري تعداد وطني في 17 تشرين الأول 1987.32 واستُخدم هذا التعداد لتعريف «الصفوف الوطنية» قانونياً؛ فأي كردي يُعثر عليه مقيماً في المناطق المحظورة المحددة بعد هذا التاريخ كان يُعد تلقائياً مخرباً إيرانياً، ويُجرّد من كل حماية قانونية، ويخضع لسياسة صارمة من إطلاق النار بقصد القتل على أيدي الدوريات العسكرية.32

في سنة 1988، أطلق المجيد حملة الأنفال. واستمدّت العملية اسمها من السورة الثامنة في القرآن، التي تعني غنائم الحرب.4 وباستخدام هذا المصطلح الديني، روّجت وسائل إعلام الدولة العراقية للعملية بكثافة بوصفها امتداداً مقدّساً للحرب المستمرة ضد «الكفار» الإيرانيين، فجرّدت بذلك الأهداف المدنية الكردية من إنسانيتها وأضفت شرعية على نهب ممتلكاتها.4 ونُفّذت الحملة بدقة مرعبة في ثماني مراحل عسكرية شديدة التنسيق ومتداخلة، بين شباط وأيلول 1988.32

المراحل الثماني لحملة الأنفال

اجتاحت الحملة المناطق الكردية بصورة منهجية، وخلّفت دماراً شاملاً. وجمعت الاستراتيجية العسكرية بين القوة التقليدية الساحقة والحرب الكيميائية والمعالجة البيروقراطية للقضاء على السكان المستهدفين.

مرحلة العملية

الفترة الزمنية (1988)

المنطقة الجغرافية المستهدفة

أبرز الأحداث العسكرية والأهداف التكتيكية

الأنفال الأولى

23 شباط–19 آذار

سرگلو وبرگلو

بدأت بحصار مقر الاتحاد الوطني الكردستاني في وادي جافاتي؛ واتّسمت بتدمير واسع للبنية التحتية وبدء الترحيل المنهجي للمدنيين.32

الأنفال الثانية

22 آذار–1 نيسان

قره داغ

أطلقت نزوحاً جماعياً لمدنيين مذعورين فرّوا من القصف المدفعي المتواصل والضربات الكيميائية، ودُفعوا نحو جنوب گرميان.32

الأنفال الثالثة

7–20 نيسان

گرميان

أوسع المراحل نطاقاً وأكثرها فتكاً، واستهدفت مراكز سكانية كبيرة مثل طوزخورماتو وقادر كرم وسنگاو. وأنشأ الجيش «نقاط تجميع» واسعة لفرز المدنيين الأسرى ونقلهم.32

الأنفال الرابعة

3–8 أيار

وادي الزاب الصغير

اتّسمت بالاستخدام المكثّف للأسلحة الكيميائية ضد قرى مدنية مثل گۆپتەپە وعسكر، مع عمليات تطويق عسكرية كبيرة شرق طقطق وفي منطقة شوان.32

الأنفال الخامسة والسادسة والسابعة

15 أيار–26 آب

شقلاوة وراوندوز

ركّزت على اختراق الوديان الجبلية العميقة للقضاء على «المعقل الأخير للاتحاد الوطني الكردستاني». وشملت قصفاً جوياً مستمراً وشديد التدمير لأهداف مدنية.32

الأنفال الثامنة، والأخيرة

25 آب–6 أيلول

منطقة بهدينان

بدأت هجمات كيميائية واسعة في 25 و26 آب، وصف الناجون رائحتها المميّزة بأنها «تفاح وشيء حلو». واتّسمت بالإعدامات الجماعية الفورية في الموقع للرجال والفتيان الأسرى.32

كانت منهجية الأنفال صناعية في كفاءتها الوحشية. وكانت العمليات العسكرية تبدأ عادةً بقصف جوي مكثّف وضربات كيميائية صُمّمت خصيصاً لإحداث رعب جماعي وسقوط ضحايا مدنيين فوراً، ودفع الناجين للخروج من بيوتهم ومخابئهم.4 ثم كانت القوات البرية، بدعم كثيف من فرق المدرعات وكتائب الهندسة، تطوّق المنطقة المستهدفة فعلياً، وتدمّر جميع المنشآت، وتفجّر البيوت، وتملأ آبار المياه بالخرسانة لمنع السكن مستقبلاً، وتنهب كل المعدات الزراعية والماشية.4 ويُقدّر أن نحو 1,200 إلى 4,000 قرية كردية مُحيت من الخريطة بصورة منهجية خلال هذه الفترة.4

حشد الجيش المدنيين الفارّين الذين نجوا من القصف الأول في «نقاط تجميع» محددة، ثم نقلهم بقوافل عسكرية إلى شبكة شديدة التنظيم من معسكرات الفرز ومراكز الاحتجاز، ومنها طوبزاوة وتكريت وسجن النساء في الدبس ومعسكر سجن نقرة السلمان سيئ الصيت، في عمق صحراء الجنوب القاسية.32 

في هذه المعسكرات، فُصل السكان بصرامة بحسب العمر والجنس. وبينما هلك آلاف النساء والأطفال الصغار والمسنين من التجويع المتعمّد والتعرّض للطقس وانتشار الأمراض في هذه المرافق البائسة، كان مصير الرجال الموت بلا استثناء.32 وكان الرجال والفتيان الذين عُدّوا في «سن القتال»، المحدد تقريباً بين 15 و50 سنة، يُحمّلون بصورة منهجية في حافلات مغلقة، ويُنقلون تحت جنح الظلام إلى مواقع إعدام صحراوية نائية، ويُقتلون جماعياً على أيدي فرق إطلاق النار، ثم تدفنهم الجرافات في خنادق.32 وأدّت طبيعة القتل المنهجية إلى موت ما يُقدّر بـ50,000 إلى 180,000 كردي.4

الجحوش: استمالة الدولة والتصدع القبلي

من العناصر المحدِّدة لحملة الأنفال، والعميقة التعقيد والشديدة الجدل، اعتماد الدولة العراقية الواسع على ميليشيات كردية متعاونة. وكانت هذه الوحدات شبه العسكرية، التي سمّاها النظام رسمياً أفواج الدفاع الوطني، معروفة بين السكان الكرد جميعاً باللفظ شديد الازدراء جاش ، أي «ابن الحمار» بالكرمانجية، أو الجحوش، تشبيهاً لهم بالخونة أو العملاء.19

عمل الجحوش في قاع التسلسل العملياتي الصارم لعلي حسن المجيد، وأدّوا أدواراً لوجستية وتكتيكية ونفسية أساسية، لم يكن الجيش العراقي النظامي يستطيع تنفيذها مستقلاً، لافتقاره إلى معرفة التضاريس واللغة المحلية.19

الأدوار التكتيكية والعملياتية للجحوش

استخدمت الدولة هذه القوات غير النظامية بكثافة لتوسيع مدى الجهاز العسكري النظامي وزيادة كفاءته.

الدور العملياتي الرئيسي

وصف الأنشطة

الاستطلاع العسكري والعمليات المتقدمة

الجحوش عملوا في وحدات استطلاع متقدمة، يقودون أرتال الجيش العراقي النظامي عبر التضاريس الجبلية المعقدة وغير المرسومة على الخرائط مباشرةً إلى القرى الكردية المخفية ومعاقل الپيشمرگة .19 وكثيراً ما استُخدموا «وقوداً للمدافع» يمكن الاستغناء عنه في المراحل الأولى من الاشتباكات.

اعتقال المدنيين وعمليات التمشيط

بعد تدمير القرية بالقوات الجوية والبرية، كان الجحوش مسؤولين عن تمشيط السفوح والكهوف بدقة للعثور على المدنيين الفارّين واعتقالهم ونقلهم إلى نقاط التجميع العسكرية.19

الخداع والعفو الزائف

باستخدام اللغة المشتركة والفهم الثقافي، كان الجحوش يخدعون اللاجئين المذعورين كثيراً بوعود زائفة بالعفو الحكومي والمرور الآمن، ويستدرجونهم من مخابئهم، ثم يسلّمونهم مباشرةً إلى جهاز الإعدام العسكري.19

الإمداد والأمن

أقاموا حواجز الطرق، وسيّروا دوريات في الأرياف، وحرسوا القوافل العسكرية، ومنعوا المدنيين من الفرار من «المناطق المحظورة».39

تلاعبت أجهزة الاستخبارات العراقية بقادة الجحوش ، أو المستشارين، ومقاتلي الصفوف عبر مزيج قوي من الدعاية الدينية والحوافز المادية الدنيئة. فقد لقّن ضباط الاستخبارات الجحوش صراحةً أن مقاتلي الپيشمرگة «كفار» وفق الشريعة الإسلامية، وينبغي معاملتهم بلا رحمة.19 وفضلاً عن ذلك، حُفّز المتعاونون مالياً؛ إذ وُعدوا رسمياً بممتلكات الكرد الذين ينجحون في أسرهم وأغنامهم وأبقارهم، فأفضى ذلك إلى نهب واسع للقرى المهجورة والمدمّرة.19

لكن سلوك الجحوش لم يكن مطلقاً على وتيرة واحدة، مما يعكس التصدع العميق في المجتمع الكردي تحت الضغط البعثي الهائل. فقد تغلّبت العلاقات القبلية والولاءات الإقليمية أحياناً على أوامر الدولة الصارمة. ووُثّقت حالات كثيرة أطلق فيها مقاتلو الجحوش أسرى تجمعهم بهم روابط قبلية محددة أو صلات عائلية.19 وفي حالات أخرى، سهّلوا فرار القرويين في مقابل رشى مالية كبيرة مباشرةً.19 

وفضلاً عن ذلك، تشير الشهادات التاريخية إلى أن بعض المتعاونين من الجحوش لم يُبدوا الرحمة إلا بعد رؤية الواقع المروّع لمراكز الفرز، وإدراكهم المتأخر أن غاية الجيش العراقي النهائية هي الإبادة الجماعية الكاملة للسكان الكرد الريفيين، لا مجرد هزيمة الپيشمرگة.19 ورغم هذه الأفعال المنفردة من الرأفة، يبقى تواطؤهم في آلة الأنفال البيروقراطية فصلاً مظلماً وصادماً في التاريخ الكردي.

حلبجة وبنية الإفلات الدولي من العقاب

بالتزامن مع المراحل الأولى لحملة الأنفال، وقعت أشهر جرائم الصراع العراقي الكردي وأكثرها انتشاراً إعلامياً، فغيّرت التصور العالمي لنظام صدام حسين تغييراً أساسياً. ففي 16 آذار 1988، أخضع سلاح الجو العراقي السكان المدنيين لبلدة حلبجة الكردية لقصف كيميائي كبير ومستمر.26 ونُفّذ هذا الهجوم الموجّه انتقاماً مباشراً للاستيلاء على البلدة قبل يومين، من جانب قوات الپيشمرگة التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني، التي عملت مع الحرس الثوري الإيراني في عملية ظفر 7.35

كان القصف غير مسبوق في تعقيده القاتل، واستخدم خليطاً فتاكاً من المواد الكيميائية. وخلصت تحقيقات لاحقة للأمم المتحدة وخبراء مستقلين إلى أن الجيش العراقي استخدم غاز الخردل مع مزيج من غازات أعصاب شديدة الفتك وغير محددة، تأكّد لاحقاً أنها شملت السارين والتابون وغاز VX.41 وقتل الهجوم ما يُقدّر بـ3,200 إلى 5,000 مدني كردي خلال ساعات، وعُثر على ضحايا متكوّمين بلا حراك في الشوارع أو ممدّدين في بيوتهم وأفواههم مفتوحة.35 وأصيب 7,000 إلى 10,000 مدني آخرين بإصابات شديدة دائمة، منها فشل التنفس والعمى الدائم والأضرار العصبية المُقعِدة.41

مع أن حلبجة كانت منفصلة تقنياً عن حملة الأنفال المركّزة على الريف، فقد أدّت غرضاً نفسياً حيوياً ومحسوباً لنظام صدام حسين.35 وكان الهجوم الكيميائي عقاباً جماعياً كارثياً بقصد الردع، صُمّم خصيصاً لتوجيه ضربة نفسية ساحقة للمقاومة الكردية.39 وباستهداف مركز سكاني مدني بأسلحة دمار شامل، قصد النظام كسر إرادة الشعب الكردي وإظهار استعداده المطلق والمرعب لتجاوز جميع حدود القانون الدولي الإنساني.39

نُفّذت هذه المجزرة التي رعتها الدولة، والإبادة الأوسع في الأنفال التي أودت في النهاية بما يصل إلى 180,000 شخص، في بيئة من اللامبالاة الدولية المنهجية المذهلة والتجنّب السياسي المحسوب.4 وخلال الحرب العراقية الإيرانية، دعمت الولايات المتحدة، إلى جانب قوى غربية وعربية إقليمية أخرى، العراق ضمناً، ورأت صدام حسين سداً ضرورياً لمنع انتصار الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ولذلك، اتّسم رد المجتمع الدولي على هجوم حلبجة بالتعتيم ورفض محاسبة بغداد. وقاومت إدارة ريغان في الولايات المتحدة بقوة جهود الكونغرس الأمريكي لفرض عقوبات تجارية شاملة على العراق سنة 1988.32 وفضلاً عن ذلك، حاولت وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية في البداية صرف اللوم عن بغداد، وعمّمت تقارير داخلية ترجّح مسؤولية إيران عن الهجوم الكيميائي الذي قتل الكرد، رغم أن العراق اعترف علناً باستخدام الغاز السام في عمليات عسكرية أخرى.32

كان رد مجلس الأمن الدولي فاتراً بالقدر نفسه ومقيّداً بنيوياً. فمع أن المجلس أصدر القرارين 612 و620 سنة 1988، اللذين أدانا بشدة استخدام الأسلحة الكيميائية في سياق الصراع بين إيران والعراق، فقد أغفلا عمداً وبصورة لافتة أي إشارة صريحة إلى استخدام العراق لهذه الأسلحة المحظورة ضد مواطنيه الكرد أو إدانة ذلك.41 

احتكم المجتمع الدولي إلى مبدأ سيادة الدولة، وتعامل مع المجزرة بوصفها «شأناً داخلياً».41 وقدّم هذا الموقف الدبلوماسي شديد الانتهازية لصدام حسين درساً استراتيجياً عميقاً: الاصطفاف الجيوسياسي نجح في حماية نظامه من المساءلة عن حقوق الإنسان، وأرسى بنية للإفلات الكامل من العقاب شجّعت أحلك نزعات حكومته.42

انتفاضة رابرين عام 1991 والنزوح الجماعي ونشأة الملاذ الآمن

تحطمت هيمنة البعث المطلقة التي لا ينازعها أحد على نحو مدوٍّ، بعد غزو صدام حسين للكويت في آب 1990، الكارثي استراتيجياً، ثم التدمير الشامل للجهاز العسكري العراقي على أيدي التحالف بقيادة الولايات المتحدة في حرب الخليج سنة 1991.1

في شباط 1991، مع تدمير الحرب البرية للقوات العراقية، شجّع الرئيس الأمريكي جورج هـ. و. بوش الجيش العراقي والسكان المدنيين علناً وبصورة متكررة على أن «يأخذوا الأمور بأيديهم ويجبروا الدكتاتور صدام حسين على التنحي».45 وبُثّت هذه الرسالة بكثافة إلى العراق عبر المنشورات والإذاعة.46 واعتقاداً بأن النظام أُضعف إضعافاً قاتلاً بالهزيمة العسكرية، وافتراضاً أنهم سيتلقون دعماً عسكرياً غربياً، اندلعت في أنحاء البلاد انتفاضة واسعة وعفوية، وإن افتقرت في معظمها إلى التنسيق، عُرفت باسم رابرين.46 

بدأت بين السكان الشيعة في محافظات الجنوب مطلع آذار، وسرعان ما امتدت إلى الشمال الكردي.46 وخلال أسابيع، خرجت أربع عشرة محافظة من محافظات العراق الثماني عشرة تماماً من سيطرة بغداد، في تطور مذهل، بينما اندفع مقاتلو الپيشمرگة الكرد من الجبال لتحرير المراكز الحضرية الكبرى لفترة وجيزة، ومنها أربيل والسليمانية ومدينة كركوك شديدة التنازع.46

لكن إدارة بوش، التي شلّتها مخاوف تفكك الدولة العراقية، وزعزعة الاستقرار الإقليمي المحتملة، وتمكين القوى الشيعية المدعومة من إيران، امتنعت عن التدخل العسكري دعماً للمتمردين.46 واستغل صدام حسين هذه الفرصة الحيوية، فأعاد تشكيل عناصر من الحرس الجمهوري النخبوي. وباستغلال ثغرة في اتفاق وقف إطلاق النار في صفوان تسمح للجيش العراقي بتسيير المروحيات لأغراض «النقل»، نشر النظام مروحيات قتالية مدججة بالسلاح لسحق الانتفاضتين في الشمال والجنوب بقسوة وبصورة منهجية.46 وأطلقت القوات الموالية النار عشوائياً على المناطق السكنية، وأعدمت جماعياً آلاف المدنيين غير المسلحين والمشتبه بهم.48

في الشمال، أثار تقدّم الجيش العراقي المنتقم سريعاً، بقيادة جزئية من مهندس الأنفال علي حسن المجيد، ذعراً جماعياً خارج السيطرة.45 ومع بقاء ذكريات حلبجة والإبادة في الأنفال المؤلمة حيةً في الوعي الجماعي، فرّ ما يُقدّر بـ1.5 إلى 2 مليون كردي من مدنهم وبلداتهم في برد آذار ونيسان القارس، بحثاً عن مأوى هش في الجبال المغطاة بالثلوج على الحدود الوعرة مع تركيا وإيران.23

فرضت الكارثة الإنسانية التالية، التي كانت شديدة الظهور وبُثّت عالمياً، استجابة دولية مترددة لكنها غير مسبوقة. واستناداً إلى مبدأ التدخل الإنساني الناشئ، أصدرت الأمم المتحدة القرار 688، الذي أدان قمع العراق لسكانه المدنيين.49 وفي الوقت نفسه، بدأت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا عملية «توفير الراحة».3 وأنشأت هذه العملية العسكرية والإنسانية الضخمة «ملاذاً آمناً» في شمال العراق، وفرضت منطقة صارمة لحظر الطيران شمال خط العرض 36، مانعةً طائرات صدام من تنفيذ الهجمات.47

منع هذا التدخل العسكري الدولي إبادة ثانية، وأجبر القوات البرية العراقية على الانسحاب جنوب خط أخضر أُنشئ حديثاً وحُصّن بقوة.52 وأنتج هذا الانسحاب القسري، من غير قصد، دولة كردية مستقلة بحكم الأمر الواقع .50 وبعد الانقطاع عن بغداد والخضوع لحصار مزدوج مُعطِّل، هو عقوبات الأمم المتحدة الدولية على الدولة العراقية وحصار اقتصادي داخلي فرضه صدام حسين بسوء نية، أنشأت القيادة الكردية إدارة في هذا الجيب. وفي سنة 1992، أجرت انتخابات تاريخية لبرلمان مؤقت من 105 أعضاء، أسفرت عن اقتسام للسلطة بنسبة 50-50 تماماً بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وأرست أساس حكومة إقليم كردستان.52

اقتتال الإخوة والصفقة مع الشيطان: الحرب الأهلية الكردية (1994–1998)

سرعان ما حجب الصراع الفئوي الداخلي الشديد والمتجذّر انتصار التحرر سنة 1991 وإنشاء الملاذ الآمن الديمقراطي. وقد تبيّن أن ترتيب اقتسام السلطة بنسبة 50-50 بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني، وهما حزبان لهما تاريخ من التنافس العنيف منذ 1975، غير قابل للعمل بنيوياً وغير مستقر بطبيعته.52

فاقم الحرمان الاقتصادي الشديد هذا التنافس السياسي على نحو كارثي. فقد عنى الحصار الدولي والداخلي المزدوج عزلة الاقتصاد الكردي تماماً، واضطرار جميع التعاملات الاقتصادية مع العالم الخارجي إلى المرور بالسوق السوداء.58 ولذلك أصبح التحكم بطرق التهريب وإيرادات الجمارك مكسباً اقتصادياً حيوياً يقوم على خسارة الطرف الآخر.52 وكان مصدر الخلاف الرئيسي السيطرة على معبر إبراهيم الخليل الحدودي مع تركيا، الذي أداره الحزب الديمقراطي الكردستاني حصراً، وولّد إيرادات ضخمة معفاة من الضرائب لم تُقتسم مع الاتحاد الوطني الكردستاني.56

في أيار 1994، تصاعدت مناوشات محدودة بشأن نزاعات الأراضي وتقاسم الإيرادات تصاعداً حاداً إلى الحرب الأهلية الكردية العراقية.56 وقسّم الصراع الإقليم ذا الحكم الذاتي بعنف إلى شطرين، وأقام حدوداً داخلية شديدة التحصين، نصب عندها كل حزب عشرات نقاط الجمارك الجديدة.59 وأُصيب اقتصاد الإقليم بالشلل، إذ استوفى الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني ضرائب «استيراد» و«تصدير» باهظة من الكرد العاديين الذين ينقلون السلع عبر خطوط التقسيم الداخلية.59

أبرزت الحرب الأهلية المأساة القصوى والمتكررة للوضع الجيوسياسي الكردي: ففي يأسهم لهزيمة منافسيهم الداخليين، سعت الفصائل الكردية مراراً إلى التحالف مع قوى إقليمية معادية أساساً للحكم الذاتي الكردي. وتحالف الاتحاد الوطني الكردستاني بنشاط مع الحكومة الإيرانية، وتلقى دعماً عسكرياً لاستعادة الأراضي ودفع قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى التراجع.56 وتدخلت تركيا عسكرياً أيضاً ضد الاتحاد الوطني الكردستاني، أساساً لاستهداف قواعد حزب العمال الكردستاني.58

رداً على التدخل الإيراني لصالح الاتحاد الوطني الكردستاني، اتخذ مسعود بارزاني قراراً استراتيجياً مذهلاً وشديد الجدل وصادماً تاريخياً. ففي آب 1996، طلب الحزب الديمقراطي الكردستاني صراحةً مساعدة عسكرية مباشرة من مضطهده التاريخي صدام حسين، لطرد الاتحاد الوطني الكردستاني من عاصمة الإقليم، أربيل.22 وإدراكاً لفرصة استثنائية لإعادة النفوذ البعثي إلى الشمال، واستغلال الانقسامات الكردية، ومعاقبة جماعات المعارضة العراقية التي احتمت بالملاذ الآمن بعنف، أرسل صدام حسين فوراً 45,000 جندي ومدرعات ثقيلة من الحرس الجمهوري.22

في 31 آب 1996، اجتاحت القوات المسلحة العراقية أربيل، وهي تعمل إلى جانب الپيشمرگة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني.22 ومع أن بارزاني قد لا يكون أمر بمجزرة، فقد استخدمت القوات العراقية الدعوة ذريعةً لتعقّب المعارضين السياسيين بصورة منهجية.22 وداهمت الاستخبارات العراقية أكثر من 30 مبنى تملكها الجبهة التركمانية العراقية، فأعدمت 48 شخصاً واعتقلت عشرات آخرين.22 وفي الوقت نفسه، أعدمت القوات العراقية بإجراءات موجزة نحو 700 مقاتل من الاتحاد الوطني الكردستاني وعضو في المؤتمر الوطني العراقي المدعوم أمريكياً، على أطراف المدينة.22 

أبرز قبول الحزب الديمقراطي الكردستاني الضمني لهذه المجزرة، لتأمين الهيمنة السياسية على أربيل، التصدع العميق في المقاومة الكردية. وبعد الاستيلاء على أربيل، انسحبت القوات العراقية إلى مواقعها السابقة، مما أتاح للحزب الديمقراطي الكردستاني دفع الاتحاد الوطني الكردستاني لفترة قصيرة خارج الإقليم تماماً إلى الحدود الإيرانية، وأجبر الولايات المتحدة على إجلاء أكثر من 6,000 شخص من المعارضة من شمال العراق على نحو عاجل لمنع قتلهم.22

لم يتوقف اقتتال الإخوة، الذي أودى بآلاف الكرد، إلا بضغط دولي مكثف. وفي سنة 1998، نجحت الولايات المتحدة في التوسط لاتفاق واشنطن، وهي معاهدة سلام لتقاسم السلطة أنهت القتال الفعلي، لكنها أقرّت عملياً تقسيم الإقليم إلى منطقتين إداريتين منفصلتين وشديدتي الحزبية. وقد أعاق هذا الانقسام الحزبي بشدة التطور المؤسسي والتوحيد العسكري لكردستان العراق عقوداً.50

ما بعد الدستور وشلل المادة 140

أنهى غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة سنة 2003 نظام صدام حسين نهائياً، وأعاد ترتيب موازين القوى داخل الدولة على نحو جذري ودائم.44 واستخدم الكرد، الذين عملوا حلفاء عسكريين حيويين وشديدي الفاعلية لقوات التحالف أثناء الغزو، أهميتهم العسكرية واستقرارهم المؤسسي النسبي وتمثيلهم السياسي الموحد لتأمين قوة غير مسبوقة في بنية العراق الجديد بعد صدام.44

لكن الإرث الباقي لهندسة صدام حسين الديموغرافية الوحشية ظلّ نقطة احتكاك أساسية وشديدة التقلب. وخلال الصياغة المتعجلة للدستور العراقي سنة 2005، وهي عملية قاطعها السكان السنة واتّسمت بخلافات عميقة، طالبت القيادة الكردية بآليات دستورية صريحة لعكس عقود من سياسات التعريب، وضمان الفيدرالية الإقليمية، وتأمين ضم كركوك قانونياً إلى حكومة إقليم كردستان.61 وكانت التسوية الناتجة، والشديدة الجدل، المادة 140 من الدستور.64

وضعت المادة 140، التي مدّدت تفويض المادة 58 من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية، إطاراً قانونياً صارماً من ثلاث خطوات لحسم وضع كركوك وغيرها من المناطق المتنازع عليها.64 وكانت الخطوات الملزمة هي:

  1. التطبيع: معالجة التغييرات الديموغرافية الجائرة التي هندسها النظام البعثي، بما يستلزم إعادة الكرد والتركمان المطرودين، وتعويض المستوطنين العرب مالياً وإعادتهم إلى محافظاتهم الأصلية.64

  2. التعداد: إجراء تعداد سكاني عادل وشفاف في المناطق المتنازع عليها.65

  3. الاستفتاء: تنظيم استفتاء عام، يُجرى في موعد لا يتجاوز 31 كانون الأول 2007، لتمكين المواطنين من تقرير ما إذا كانوا يرغبون في الانضمام إلى إقليم كردستان أو البقاء تحت الإدارة الاتحادية.64

لكن تنفيذ هذا التفويض الدستوري تبيّن أنه مستحيل تماماً. فقد استخدمت الحكومات المركزية المتعاقبة في بغداد، خوفاً من الفقد الدائم لثروة كركوك النفطية الهائلة وخضوعاً لضغط سياسي شديد من القواعد العربية والتركمانية، أساليب تعطيل بيروقراطي تذكّر بقوة بفشل الحكم الذاتي سنة 1970.66 وشُلّت عملية التطبيع بنقص متعمّد في التمويل والإرادة السياسية، بينما أُجّل التعداد بلا نهاية خوفاً من أن توثيق الواقع الديموغرافي المتغيّر رسمياً سيؤجّج العنف بين الجماعات العرقية فوراً.14 وفضلاً عن ذلك، انتهكت بغداد بصورة منهجية الالتزامات الدستورية بشأن التقاسم النسبي لإيرادات النفط، واقتطعت الأموال تعسفياً وأجاعت حكومة الإقليم اقتصادياً.67

بحلول عامي 2024 و2025، أشارت وثائق واسعة وتقارير رسمية لحكومة الإقليم إلى أن المادة 140 بقيت بلا تنفيذ تقريباً.68 ورغم تشكيل لجان متعددة وتخصيص أكثر من تريليوني دينار بين 2005 و2025، ظلّ النزاع الإقليمي الأساسي بلا حل تماماً.69

تدهور الوضع تدهوراً حاداً بعد استفتاء استقلال إقليم كردستان الذي لم يوفَّق في تشرين الأول 2017.44 وانتقاماً من مسعى الاستقلال، عادت القوات الاتحادية العراقية والميليشيات الشيعية المدعومة إيرانياً إلى كركوك وغيرها من المناطق المتنازع عليها بقوة، وأزاحت قسراً الإداريين العسكريين الكرد وآلاف المواطنين، مما أدّى إلى ضحايا وتدمير آلاف البيوت والأعمال الكردية، ولا سيما في مناطق مثل خورماتو.44 

لاحظ مراقبون وقادة سياسيون محليون أنه بعد 2017، بدأت الحكومة المركزية العراقية استئناف سياسات تحمل أوجه شبه لافتة ومقلقة بشدة مع استراتيجيات التركيبة السكانية في عهد صدام. وهذه الجهود الجديدة، التي سُمّيت «التعريب الإداري»، شملت الإبعاد المنهجي للكرد عن المناصب الإدارية المحلية العليا، وتقليص تمثيلهم، وإعادة توطين أكثر من 100,000 أسرة عربية من وسط العراق وجنوبه في مركز كركوك والمناطق المحيطة بها.21

يُظهر الفشل الكامل في تنفيذ المادة 140، والعودة الدورية إلى التلاعب السكاني، حقيقة عميقة: مع أن صدام حسين أُزيح من السلطة وأُعدم، فإن الصراع البنيوي العرقي الإقليمي القائم على خسارة طرف لمصلحة آخر، الذي هندسه بعنف حول كركوك والمناطق المتنازع عليها، ما زال راسخاً في الإطار السياسي العراقي. فالشقوق السكانية والإقليمية التي خلقتها سياسات النظام البعثي من الإرهاب الجماعي والترحيل والإبادة لا تزال تحدّد استقرار الدولة العراقية الحديثة وبنيتها الفيدرالية وسلامها الداخلي، وتهدّدها باستمرار.62

المراجع المستشهد بها

  1. الصراع العراقي الكردي — ويكيبيديا، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://en.wikipedia.org/wiki/Iraqi%E2%80%93Kurdish_conflict

  2. مئة عام من محاولات إنشاء كردستان مستقلة، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://icds.ee/en/a-hundred-years-of-attempts-to-create-an-independent-kurdistan/

  3. النضال الكردي من أجل الحكم الذاتي من عقد 1970 إلى الحاضر — معهد أبحاث السياسة الخارجية، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.fpri.org/article/2019/07/the-kurdish-struggle-for-autonomy-from-the-1970s-to-the-present/

  4. الأنفال، 1988 — متحف الهولوكوست في هيوستن، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://hmh.org/education/al-anfal-1988/

  5. ديليپ هيرو: لماذا كركوك بؤرة توتر واضحة في العراق ومع جيرانه، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.historynewsnetwork.org/article/dilip-hiro-why-kirkuk-is-the-obvious-flashpoint-wi

  6. الحرب العراقية الكردية الأولى — ويكيبيديا، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://en.wikipedia.org/wiki/First_Iraqi%E2%80%93Kurdish_War

  7. استراتيجية كيسنجر في التمرد الكردي العراقي في 1972-75: بداية متعثرة أم أساس لأمريكا — إيلي سكولار، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://elischolar.library.yale.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1049&context=applebaum_award

  8. العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، 1969–1976، المجلد السابع والعشرون، إيران؛ العراق، 1973–1976 — الوثائق التاريخية — مكتب المؤرخ، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1969-76v27/d306

  9. الوثائق التاريخية — مكتب المؤرخ، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1969-76v27/d243

  10. العراق: تاريخه الدستوري — كونستيتوشن نت، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://constitutionnet.org/country/iraq

  11. الكرد أطرافاً في النزاعات العراقية وضحايا لها — اللجنة الدولية للصليب الأحمر، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.icrc.org/sites/default/files/review_article/file/irrc-868-4.pdf

  12. أزمة كركوك الأمنية المتعددة الأبعاد — مركز مكافحة الإرهاب في ويست پوينت، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://ctc.westpoint.edu/kirkuks-multidimensional-security-crisis/

  13. سادساً. عكس تعريب كركوك — هيومن رايتس ووتش، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.hrw.org/reports/2004/iraq0804/7.htm

  14. حل مسألة كركوك: دروس مستفادة من تسويات صراعات عرقية إقليمية سابقة — راند، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.rand.org/content/dam/rand/pubs/monographs/2012/RAND_MG1198.pdf

  15. مطالب متنازعة: عكس التطهير العرقي في شمال العراق: ثالثاً...، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.hrw.org/reports/2004/iraq0804/4.htm

  16. اتفاق الجزائر 1975 — ويكيبيديا، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://en.wikipedia.org/wiki/1975_Algiers_Agreement

  17. الحرب العراقية الإيرانية — ويكيبيديا، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://en.wikipedia.org/wiki/Iran%E2%80%93Iraq_War

  18. العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، 1969–1976، المجلد السابع والعشرون، إيران؛ العراق، 1973–1976 — الوثائق التاريخية — مكتب المؤرخ، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://history.state.gov/historicaldocuments/frus1969-76v27/d286

  19. قصة الأنفال — برنامج ذاكرة كردستان، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://kurdistanmemoryprogramme.com/story-of-anfal/

  20. على أرض هشّة — Justice.gov، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.justice.gov/sites/default/files/eoir/legacy/2013/06/14/iraq_1109.pdf

  21. تعريب كركوك — ويكيبيديا، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://en.wikipedia.org/wiki/Arabization_of_Kirkuk

  22. مجزرة أربيل 1996 — ويكيبيديا، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://en.wikipedia.org/wiki/1996_Erbil_massacre

  23. مطالب متنازعة: عكس التطهير العرقي في شمال العراق — هيومن رايتس ووتش، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.hrw.org/report/2004/08/02/claims-conflict/reversing-ethnic-cleansing-northern-iraq

  24. العراق: القرار رقم 666 لسنة 1980، الجنسية — ريفوورلد، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.refworld.org/legal/decreees/natlegbod/1980/en/10397

  25. العراق: التاريخ القانوني والتقاليد — مكتبة الكونغرس، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://tile.loc.gov/storage-services/service/ll/llglrd/2018299338/2018299338.pdf?loclr=blogfam

  26. الأنفال الأولى: حصار سرگلو وبرگلو، 23 شباط–19 آذار، 1988 — هيومن رايتس ووتش، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.hrw.org/reports/1993/iraqanfal/ANFAL3.htm

  27. المشاركة الكردية في الحرب العراقية الإيرانية — ويكيبيديا، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://en.wikipedia.org/wiki/Kurdish_involvement_in_Iran%E2%80%93Iraq_War

  28. إيران في العراق: ما مدى نفوذها؟ — تقرير الشرق الأوسط رقم 38، 21 آذار 2005، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.crisisgroup.org/sites/default/files/38-iran-in-iraq-how-much-influence.pdf

  29. قادة صدام: رؤى بشأن الحرب العراقية الإيرانية، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.files.ethz.ch/isn/146268/Saddams%20Generals.pdf

  30. حرب صدام — منشورات جامعة الدفاع الوطني، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://ndupress.ndu.edu/Portals/68/Documents/Books/saddams-war.pdf

  31. حملة الأنفال — ويكيبيديا، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://en.wikipedia.org/wiki/Anfal_campaign

  32. ماذا جرى لكرد العراق؟، هيومن رايتس ووتش...، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.hrw.org/reports/1991/IRAQ913.htm

  33. الإبادة الجماعية في العراق: حملة الأنفال ضد الكرد، تقرير هيومن رايتس ووتش، 1993، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.hrw.org/reports/1993/iraqanfal/

  34. الإبادة الجماعية للكرد — البرلمان الأوروبي، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.europarl.europa.eu/meetdocs/2009_2014/documents/d-iq/dv/03_kurdishgenocidesofanfalandhalabja_/03_kurdishgenocidesofanfalandhalabja_en.pdf

  35. مقدمة: الإبادة الجماعية في العراق: حملة الأنفال ضد...، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.hrw.org/reports/1993/iraqanfal/ANFALINT.htm

  36. كردستان العراق — هيومن رايتس ووتش، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.hrw.org/reports/pdfs/i/iraq/iraq.931/iraq931full.pdf

  37. المقال الكامل: إبادة الأنفال وحلبجة، دروس لم تُستفد — تايلور وفرانسيس، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/21520844.2023.2236922

  38. گرميان، أي البلاد الدافئة، سهل كبير ذو تلال في أقصى جنوب كردستان العراق الناطقة بالسورانية، على حدود القلب العربي للعراق. ويحدّه غرباً الطريق بين مدينة كركوك الغنية بالنفط وبلدة طوزخورماتو — هيومن رايتس ووتش، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.hrw.org/reports/1993/iraqanfal/ANFAL5.htm

  39. الإبادة الجماعية في العراق — HRW.org، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.hrw.org/reports/pdfs/i/iraq/iraq.937/anfalfull.pdf

  40. 1 البعثيون والكرد: «سوداء ألوانه، سوداء خيمته، ورمحه ودرعه وجواده ودرعه وريشه، والأسود الفاحم» — قاعدة بيانات الأدوات القانونية، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.legal-tools.org/doc/274a62/pdf/

  41. مجزرة حلبجة — ويكيبيديا، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://en.wikipedia.org/wiki/Halabja_massacre

  42. الأسلحة الكيميائية والحرب العراقية الإيرانية — مركز جيمس مارتن لدراسات منع الانتشار، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.nonproliferation.org/wp-content/uploads/npr/81ali.pdf

  43. القرار 620 (1988) / — نظام المكتبة الرقمية للأمم المتحدة، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://digitallibrary.un.org/record/44865

  44. عدم الاستقرار في العراق — متتبع الصراعات العالمي — CFR.org، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.cfr.org/global-conflict-tracker/conflict/political-instability-iraq

  45. العراق: الطرد القسري للأقليات العرقية — ريفوورلد، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.refworld.org/reference/countryrep/hrw/2003/en/30380

  46. استذكار الانتفاضة العراقية قبل خمسة وعشرين عاماً — مجلس العلاقات الخارجية، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.cfr.org/articles/remembering-iraqi-uprising-twenty-five-years-ago

  47. الانتفاضات العراقية 1991 — ويكيبيديا، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://en.wikipedia.org/wiki/1991_Iraqi_uprisings

  48. انتفاضة 1991 في العراق وما بعدها — HRW.org، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.hrw.org/reports/1992/Iraq926.htm

  49. الأزمة الكردية: دراسة واقعة دولية — المستودع الرقمي لجامعة دنڤر، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://digitalcommons.du.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1781&context=djilp

  50. تطور الپيشمرگة — القتال من أجل كردستان؟ — كلينگندال، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.clingendael.org/pub/2018/fighting-for-kurdistan/2-the-evolution-of-the-peshmerga/

  51. 1991 — عمليتا «توفير الراحة» و«المراقبة الشمالية» > قسم الدعم التاريخي لسلاح الجو > صحائف الوقائع، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.afhistory.af.mil/FAQs/Fact-Sheets/Article/458953/1991-operation-provide-comfort-and-northern-watch/

  52. كردستان العراق بعد عشرين عاماً — مجموعة الأزمات الدولية، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.crisisgroup.org/cmt/middle-east-north-africa/gulf-and-arabian-peninsula/iraq/iraqi-kurdistan-twenty-years-after

  53. الكرد في العراق بعد صدام — موقع جميع تقارير خدمة أبحاث الكونغرس، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.everycrsreport.com/reports/RS22079.epub

  54. منطقة «حظر الطيران» في العراق — التاريخ — مداخل للبحث — إبسكو، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.ebsco.com/research-starters/history/no-fly-zone-iraq

  55. حلفاء غير مثاليين وفاعلون من غير الدول: دروس من منطقة حظر الطيران في العراق سنة 1991 — بروكينگز، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.brookings.edu/articles/imperfect-allies-and-non-state-actors-lessons-from-the-1991-no-fly-zone-in-iraq/

  56. إنهاء الحرب الأهلية الكردية في العراق — مشروع الأدلة الأفضل — جامعة جورج ميسون، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://bep.carterschool.gmu.edu/ending-the-kurdish-civil-war-in-iraq/

  57. الحرب الأهلية الكردية (1994–1998) وآثارها في نظام الحكم في إقليم كردستان العراق — ريسيرچ گيت، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.researchgate.net/publication/361016173_THE_KURDISH_CIVIL_WAR_1994-1998_AND_ITS_CONSEQUENCES_FOR_THE_GOVERNING_SYSTEM_IN_THE_KURDISTAN_REGION_OF_IRAQ

  58. الحرب الأهلية الكردية العراقية — ويكيبيديا، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://en.wikipedia.org/wiki/Iraqi_Kurdish_Civil_War

  59. تدمير كردستان العراق — ميريب، مشروع أبحاث ومعلومات الشرق الأوسط، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.merip.org/1996/12/the-destruction-of-iraqi-kurdistan/

  60. الحرب الأهلية الكردية العراقية (1994–1997) — قاعدة بيانات اتفاقات السلام PA-X، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.peaceagreements.org/conflict/89/

  61. العراق: صياغة الدستور — مجلس العلاقات الخارجية، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.cfr.org/backgrounders/iraq-drafting-constitution

  62. العراق: أفول الفيدرالية — مركز ويلسون، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.wilsoncenter.org/article/iraq-demise-federalism

  63. السياسة العراقية بعد صدام حسين: ولادة ديمقراطية طائفية — معهد كلينگندال، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.clingendael.org/pub/2020/iraqs-adolescent-democracy/1-iraqi-politics-after-saddam-hussein-the-birth-of-a-sectarian-democracy/

  64. المادة 140 من دستور العراق — ويكيبيديا، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://en.wikipedia.org/wiki/Article_140_of_the_Constitution_of_Iraq

  65. مادة كركوك 140: هل انتهت صلاحيتها أم لا؟ — معهد واشنطن، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/kirkuks-article-140-expired-or-not

  66. الاستفتاء الكردي ووضع كركوك — معهد واشنطن، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/kurdish-referendum-and-status-kirkuk

  67. الحجة الدستورية لاستقلال كردستان وسجل انتهاك الحكومات العراقية المتعاقبة للدستور العراقي — المعهد الكردي في باريس، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.institutkurde.org/images/mediapdf/87KFRJGMPD.pdf

  68. حكومة الإقليم تقول إن المادة 140 عُطّلت عقدين في المناطق المتنازع عليها — باسنيوز، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.basnews.com/en/babat/907272

  69. المادة 140: بعد 18 سنة من الموعد النهائي، ما زال التنفيذ معلقاً — دراو ميديا، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://drawmedia.net/page_detail?smart-id=18170

  70. مكتب إعلام حكومة الإقليم يقول إن المادة 140 بقيت بلا تنفيذ بعد 20 سنة من اعتمادها، تاريخ الاطلاع 9 آذار 2026، https://www.kurdistan24.net/en/story/895841/krg-media-office-says-article-140-remains-unimplemented-20-years-after-adoption

ملف PDF قابل للتنزيل

كتب من Kurdish-History.com