النضالات اليومية للشعب الكلداني
طال زمن إسكات الشعب الكلداني ومحوه واستيعابه. وبينما يسمع العالم ضجيجًا لا ينتهي من ناشطين يصفون أنفسهم بـ«الآشوريين»، تُدفن القصة الحقيقية لمسيحيي بلاد الرافدين الأصليين، الكلدان، تحت جبل من الدعاية وتحريف التاريخ والسطو الصريح على الهوية.
في العراق وسوريا والشتات، عانينا الإبادة والنزوح والاضطهاد الموجّه. دُمّرت قرانا، وقُتل كهنتنا، وسُخرت طقوسنا الآرامية القديمة وقُمعت. لكننا نواجه شكلًا آخر من المحو حتى في بلدان «آمنة» مثل الولايات المتحدة وأستراليا وأوروبا. يُقال للأطفال الكلدان في مدارس الأحد والمراكز المجتمعية إنهم في الحقيقة «آشوريون». ويُوصم الأساقفة الكلدان الذين يجرؤون على تأكيد اسمنا المتميّز بأنهم «مفرّقون» أو «خونة». وتتعرض مدارسنا ونوادينا ومنظماتنا الثقافية لضغوط، عدوانية أحيانًا، للتخلّي عن «الكلداني» وتبنّي التسمية الجامعة «الآشوري».
أساليب الاستيعاب الآشوري: محو الهوية الكلدانية
هذه ليست وحدة؛ إنها استيعاب. يزعم الآشوريون باستمرار أن الكلدان «الشعب نفسه»، وأن إيماننا الكاثوليكي هو الفرق الوحيد، وأن أي إصرار على الهوية الكلدانية «اختراع استعماري». ويغرقون وسائل التواصل بمنشورات تصف كل كلداني يؤكّد اسمنا بأنه «خائن» أو «عميل صهيوني» أو أسوأ. وتسيطر المنظمات الآشورية على التمويل والإعلام والدفاع السياسي. وتطالب الكنائس الكلدانية برفع العلم الآشوري، وتضغط على السياسيين الكلدان للترشّح ضمن قوائم «آشورية».
ويستمرّ الضغط يوميًا. هذا استيعاب بحذافيره: محو الاسم، ومحو التاريخ، ومحو الشعب المتميّز. لو كنّا حقًا «الشعب نفسه»، لما احتاجوا إلى التنمّر علينا لإجبارنا على قبول تسميتهم.
صناعة البريطانيين للآشوريين المعاصرين
إن المفارقة خانقة. فالهوية «الآشورية» الحديثة نفسها هي الاختراع الاستعماري.
إليكم الحقيقة التاريخية التي لا يريدونكم أن تنطقوا بها علنًا: البريطانيون صنعوا الآشوريين المعاصرين. في القرن 19 وأوائل القرن 20، بدأ مبشّرون ودبلوماسيون وعلماء آثار بريطانيون يعملون في العراق العثماني وعراق الانتداب جمعَ مسيحيي المنطقة الناطقين بالآرامية تحت تسمية واحدة، هي «الآشوري». وفعلوا ذلك لأسباب سياسية وأثرية، إذ أضفوا هالة رومانسية على أطلال نينوى وحاولوا إنشاء «حاجز مسيحي» ملائم في الشرق الأوسط. وفجأة أُعيدت تسمية نساطرة كنيسة المشرق والسريان الأرثوذكس وحتى بعض الكلدان بـ«الآشوريين» في التقارير البريطانية والتعدادات ووثائق عصبة الأمم. لم يكن هذا تطوّرًا طبيعيًا، بل تسهيلًا إداريًا. وقبل البريطانيين، كانت هذه الجماعات تعرّف نفسها أساسًا بكنائسها: الكلدانية الكاثوليكية، وكنيسة المشرق، والسريانية الأرثوذكسية.
لا استمرارية آشورية؛ انقطاع مدّته 2,000 سنة
لا توجد استمرارية آشورية. إطلاقًا. فقد اختفت الإمبراطورية الآشورية القديمة قبل أكثر من 2,000 سنة. ولم تكن هناك استمرارية ثقافية أو لغوية أو سياسية حيّة. كانت الأكادية لغة ميتة، وغابت آلهة الإمبراطورية وملوكها وهويتها الإمبراطورية منذ زمن بعيد. وما بقي كان المسيحية الناطقة بالآرامية، وكان ذلك الشعب المسيحي يضمّ الكلدان.
أُزيل الغبار عن اسم «آشوري» وألصقه الغربيون كطبقة طلاء جديدة في سنوات 1800. وكان مشروعًا قوميًا ضخمّه لاحقًا بعض قادة المجتمع طلبًا للنفوذ السياسي. وهذا ليس استمرارية قومية غير منقطعة، بل حركة إحياء؛ هوية مصنوعة.
أدلة الحمض النووي: الكلدان الأقرب إلى الآشوريين القدماء
وماذا عن الأدلة الجينية؟ إنها تهدم روايتهم بأكملها. فقد أظهرت دراسات عدّة للحمض النووي أن السكان الكلدان في العراق يحملون أقرب مؤشّرات جينية إلى سكان شمال بلاد الرافدين القدماء؛ الناس أنفسهم الذين حكمهم الآشوريون القدماء. وتصنّف الأبحاث الجينية المستقلة باستمرار العينات الكلدانية باعتبارها أقرب صلة حيّة بالسكان المسيحيين في بلاد الرافدين قبل الإسلام. وفي المقابل، كثيرًا ما تشوّش التسمية «الآشورية» الأوسع الصورةَ بضمّ جماعات أحدث في تعريف نفسها وأكثر تأثّرًا بالدوافع السياسية. ويقول العلم ما عرفه كثير من الكلدان في أعماقهم دائمًا: نحن الأحفاد المباشرون، لا «الآشوريون» الذين أُعيدت تسميتهم.
لماذا يرفض الكلدان أن يُمحَوا؟
لا يطلب الكلدان التفوّق. إننا نطلب الحق نفسه الذي يعدّه كل شعب آخر على الأرض بديهيًا: أن نسمّي أنفسنا. نحن الكلدان؛ مسيحيو بلاد الرافدين الكاثوليك، وورثة الكنيسة القديمة التي أنتجت الكتاب المقدّس البشيطتا وحفظت الآرامية. لنا بطريركنا وطقوسنا وشهداؤنا واستمراريتنا الجينية والثقافية. ولن نُمحى بعد اليوم من أجل خيال قومي لشخص آخر.
ربما صنع البريطانيون الفئة «الآشورية» الحديثة على الورق، لكننا وحدنا نحن الكلدان نقرّر إن كنّا سنسمح لها بابتلاعنا. نختار الرفض. ونختار الكلدانية.
هذه حرية تعبير. وهذه حقيقة. ولن تُسكت.
