في محاولة يائسة لاكتساب أهمية، تقيّأ ما يُسمّى «آشوريا بوست» مادة أخرى من الهذيان العنصري المستتر بالكاد، بعنوان «الاستقرار بالاستثناء:
لماذا يُموَّل الحكم الذاتي الكردي ويُؤجَّل الحكم الذاتي الآشوري».
يتنكّر هذا الهراء في صورة تحليل، لكنه ليس سوى دعاية تفوّق آشوري، تروّج أساطير الضحية الأبدية وتشوّه الكرد بوصفهم برابرة انتهازيين. فلنفكك هذا العبث جزءاً جزءاً، بالحقائق والتاريخ وجرعة سليمة من الواقع. الكرد لا يبقون أحياء فحسب؛ نحن نزدهر لأننا قاتلنا من أجل أرضنا وحقوقنا ومستقبلنا ضد الإمبراطوريات والطغاة، وضد هذه البقايا المتذمرة من الخيال الاستعماري الآن. أما الآشوريون؟ فهم هوية ملفّقة تتشبث بالأطلال القديمة طلباً للنفوذ، وتطالب بالعطايا دون أن تقدم شيئاً. حان تصحيح السجل: الحكم الذاتي الكردي مكتسب لا هبة، و«الحكم الذاتي» الآشوري حلم واهٍ لأنه مبني على الأكاذيب.
الأسطورة «الآشورية»: تسمية بريطانية أُلصقت بمسيحيين متنقلين
لنبدأ بالمشكلة الكبرى التي يجري تجاهلها، أو بالأحرى بشبح الإمبراطوريات الماضية. مصطلح «آشوري» ليس وساماً أزلياً للأصالة؛ بل اختراع بريطاني من القرن 19 أُلصق بجماعات مسيحية شرق أوسطية متفرقة لخدمة المصالح الاستعمارية. وكما تُظهر السجلات التاريخية، «أحيا» باحثون غربيون مثل أوستن هنري لايارد ووليام أينغر ويغرام هذه التسمية أثناء التنقيبات الأثرية في عقد 1840 وأوائل عقد 1900، رابطين مسيحيين سرياناً وكلداناً وآراميين متناثرين بـالإمبراطورية الآشورية القديمة لصوغ روايات رومانسية عن الاستمرارية التوراتية. لم يكن ذلك تطوراً طبيعياً، بل رُوّج له عبر البعثات والكتابات البريطانية لتبرير النفوذ في الأراضي العثمانية. وقبل ذلك، كانت هذه الجماعات تعرّف نفسها بالدين أو العشيرة، لا بوصفها «آشورية». وتستمر النقاشات الحديثة؛ فما زال كثيرون يفضّلون «كلداني» أو «آرامي»، بما يكشف الطبيعة المتصدعة والمصطنعة لهذه الهوية.
لم يكن هذا الإحياء الذي غذّته بريطانيا من أجل التمكين، بل من أجل الفرقة والحكم. فبتضخيم هؤلاء المسيحيين بوصفهم «ورثة القدماء»، أنشأ البريطانيون حاجزاً أمام الأغلبيات المسلمة، كما فعلوا في أماكن أخرى من إمبراطوريتهم. واليوم يستخدم من يعلنون أنفسهم آشوريين هذه الأسطورة سلاحاً لادّعاء الأسبقية على أراضٍ كانوا فيها أقليات منذ زمن طويل. سكان أصليون؟ بالكاد. فالكرد، الذين تعود جذورهم إلى شعوب إيرانية قديمة مثل الميديين، سكنوا هذه الجبال آلاف السنين، وتحدثوا لغة أصيلة، وحافظوا على الاستمرارية الثقافية رغم غزوات لا تنتهي. أما الآشوريون؟ فهم بقايا مسيحيين ناطقين بالآرامية اعتنقوا المسيحية مبكراً ونجوا بالتجمع في جيوب منعزلة، لا بالغزو أو الابتكار. و«استمراريتهم التاريخية» مزحة؛ إنها بقاء عبر الاندماج، والآن عبر الاتجار المتواصل بالمظالم.
تتذمر المادة الدعائية من «ضبط النفس» و«التحمل» لدى الآشوريين، وكأنهما فضيلة. ولتصحيح الواقع: إنهما تعبير موارب عن انعدام الأهمية. فدون الأعداد أو السلاح أو إرادة القتال التي لدى الكرد، لجؤوا إلى لعب ورقة الضحية الدائمة. وفي العصر العثماني تقرّب قادة آشوريون كثيرون من الدولة، ثم واجهوا رد فعل حين شاركت العشائر الكردية، التي كثيراً ما أكرهها العثمانيون أو حفّزوها، في مجازر سيفو عام 1915.
لكن لا نتظاهر بأن الآشوريين كانوا حمائم بريئة؛ فالروايات التاريخية تُظهر غارات وخيانات متبادلة في تلك الأزمنة الفوضوية. لا ينكر الكرد الفظائع، لكننا لن ندع الآشوريين يبرّئون دورهم أو يتجاهلون أن الكرد أيضاً عانوا إبادات عثمانية وترحيلاً. وما الفرق؟ نهض الكرد، وأقاموا تحالفات، وبنوا حكماً ذاتياً. أما الآشوريون فرفعوا العرائض إلى القوى الاستعمارية وحصلوا على تربيت رمزي على الظهر.
«الفصائلية» الكردية: البقاء في مواجهة الطغاة، لا الضعف
أكبر تشويه في المقالة تصوير الكرد فصائليين فوضويين لا يستحقون الدعم، والاستشهاد بالحرب الأهلية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في العراق في عقد 1990، حين «دعا» الخصوم قوات صدام أو الدعم الإيراني. يا للهول، النجاة من دكتاتور ارتكب إبادة جماعية بكل وسيلة لازمة! السياق مهم يا دعاة التضليل: اندلع ذلك الاقتتال بعد عقود من القمع البعثي، بما فيه حملة الأنفال التي قتلت بالغاز وذبحت 182,000 كردي في 1986-1989. قصف نظام صدام القرى، وهجّر الملايين، وعرّب أراضي كردية مثل كركوك.
أما انقسامات الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني؟ فهي نتاج التدخل الخارجي؛ صدام يؤلّب الكرد بعضهم على بعض، وإيران وتركيا تستغلان الحدود. ومع ذلك، توحّد الكرد تحت حكومة إقليم كردستان في 1992، وأنشؤوا كياناً مستقراً مزدهراً أصبح اليوم مركز القوة الاقتصادية في العراق.
قارن ذلك بـ«ضبط النفس» الآشوري. ماذا بنوا؟ ميليشيات متناثرة مثل وحدات حماية سهل نينوى، تسيطر على حفنة بلدات وتتذمر من «الخيانة» حين انسحبت قوات البيشمركة ، نعم الأبطال الكرد، من مناطق في 2014 أمام داعش. وللعلم: كانت البيشمركة منهكة باتساع جبهات القتال ضد خلافة إرهابية عالمية، فيما ترددت بغداد. حرّر الكرد مساحات من سهل نينوى من داعش وضحّوا بالآلاف، بينما فرّ الآشوريون في معظمهم أو شكّلوا وحدات رمزية. أما ادّعاء المقالة أن الحكم الذاتي الكردي «مسنود بصورة مصطنعة» بالرعاية الأمريكية
فمثير للضحك. دعمت أمريكا الكرد لأننا أثبتنا أننا شركاء موثوقون ضد صدام وداعش؛ هزمناهما على الأرض حين ارتعد غيرنا. أما الآشوريون؟ تحالفوا مع القوى الغربية بعد الحرب العالمية الثانية وفي 2003، لكنهم لم يقدموا سوى القليل غير الشكاوى. ودورهم «المثبّت للاستقرار» بوصفهم «جنوداً وموظفين مدنيين»؟ أقرب إلى متعاونين في المجتمعات المضيفة، يتجنبون التمرد لأنهم يفتقرون إلى الشجاعة أو القاعدة اللازمة له.
ولنعالج المشكلة الكبرى: «مصادرة» الأرض. تواصل المصادر الآشورية البكاء بشأن «سرقة» الكرد أراضي سهل نينوى. هراء. السهل متنازع عليه لأنه متعدد الإثنيات؛ كرد وعرب وشبك وإيزيديون، كثير منهم ناطقون بالكردية، ونعم أقليات مسيحية. وللكرد مطالب تاريخية أيضاً؛ عشنا هناك قروناً ودافعنا ضد الغزوات. وبعد داعش جلبت إدارة حكومة الإقليم الأمن وإعادة الإعمار حيث أخفقت بغداد. اتهامات آشورية بـ«هندسة ديموغرافية»؟ إنه اتّهام يتجاهل ما يفعله صاحبه.
هجّر التعريب التاريخي تحت صدام كرداً أكثر بكثير، وتتجاهل المطالب الآشورية بـ«محافظة» حصرية أنهم أقلية متناقصة؛ ربما انخفضوا إلى 200,000 في العراق بسبب الهجرة، لا «الاضطهاد» وحده. بل دمج الكرد الأقليات، وقدّموا المواطنة والحقوق في روج آفا وإقليم كردستان، حيث يعمل آشوريون في الحكومة. لكن الدعاية تقلب الصورة: الكرد «انتهازيون»، والآشوريون «أخلاقيون». كفى.
ازدواجية معايير غربية؟ لا، بل انعدام أهمية آشورية
تتذمر المادة من أن «الوضوح المؤسسي» يفضّل الكرد على الآشوريين، وكأن الأخلاق وحدها تمنح الأرض. أفيقوا: السياسة الدولية تكافئ القوة والمنفعة، لا قصص الاستعطاف. اكتسب الكرد الدعم الأمريكي بالدم؛ مناطق حظر الطيران في 1991 بعد انتقام صدام، والسلاح ضد داعش في سوريا والعراق. بنينا حكماً؛ تصدّر حكومة الإقليم النفط، وتستضيف اللاجئين، وتحافظ على الاستقرار وسط الفوضى.
تمكّن الكونفدرالية الديمقراطية في روج آفا النساء والأقليات رغم العدوان التركي. وتبقى المطالب الآشورية، مثل المادة 125 من الدستور العراقي التي تضمن الحقوق الإدارية للأقليات، «رمزية» لأنها غامضة وغير قابلة للتنفيذ، وتفتقر إلى السيطرة الإقليمية أو السكان اللازمين لإسنادها.
وما ازدواجية المعايير الحقيقية؟ كيف يصوّر الآشوريون الكرد غزاة بينما يتجاهلون تاريخهم هم في التحالف مع القامعين. ففي العهد العثماني أغارت بعض العشائر الآشورية على الكرد، وفي العراق الحديث دعموا بغداد ضد الحكم الذاتي الكردي للتقرّب منها. أما «فخ الأقلية»؟ فالآشوريون ليسوا محاصرين، بل يتفوق عليهم غيرهم عدداً ومناورة. ودعواتهم إلى «إعادة الأرض» تعبير موارب عن التراجع عن المكاسب الكردية، لكن التاريخ لا يعمل هكذا. لا يؤجّل الكرد الحكم الذاتي الآشوري؛ نحن نبني حكمنا لأننا قاتلنا من أجله. وإذا أراد الآشوريون أهمية، فلينضموا إلى النضال بدلاً من نشر أساطير عنصرية عن «عدم الاستقرار» الكردي.
الحكم: الكرد يبنون والآشوريون يتذمرون
هذه الدعاية الآشورية ليست تحليلاً، بل حسد ملفوف بالعنصرية، يشوّه الكرد بوصفهم بلطجية فصائليين، ويضفي رومانسية على هوية ملفّقة. والكرد القوة الأصلية الحقيقية في هذه الأراضي؛ تحملنا الإبادات، وبنينا حكماً ذاتياً، وهزمنا داعش حيث فشل الآخرون. وتتداعى الأساطير الآشورية تحت التدقيق؛ فـ«حكمهم الذاتي» مؤجّل لأنه غير مستحق، ومبني على تسميات استعمارية واستعراض فاضح لدور الضحية. تريدون أرضاً؟ اكتسبوها كما فعلنا. وإلا فاندمجوا في المناطق الكردية أو واصلوا التذمر من المهجر. تنهض كردستان وتتلاشى الأوهام الآشورية. تقبّلوا ذلك.
