مقدمة
في 28 يوليو 1823، وقّعت الإمبراطورية العثمانية وفارس القاجارية معاهدة أرضروم الأولى، منهية الحرب العثمانية الفارسية في 1821–1823، وهي صراع دار مجددًا عبر التخوم الكردية. وأعادت المعاهدة تأكيد الحدود التي أُرسيَت قبل نحو قرنين في زهاب (1639)، وثبّتت تقسيم كردستان بين الإمبراطوريتين، وحاولت معالجة القضية المركزية التي أشعلت الحرب: التنازع على ولاء القبائل الكردية الرحّل التي امتدت أراضيها على جانبي الحدود العثمانية الفارسية.
بالنسبة إلى التاريخ الكردي، تنبع أهمية معاهدة أرضروم الأولى مما تكشفه عن طريقة معاملة الإمبراطوريات الحاكمة للأراضي الكردية والشعب الكردي، لا من تغيير أحدثته؛ فقد أكدت الوضع القائم إلى حد كبير. ولم يكن الكرد أطرافًا في المعاهدة، بل موضوعها. ولم يكن السؤال المركزي في المفاوضات ما يريده الشعب الكردي، بل أي إمبراطورية تملك أي قبائل كردية. وكانت معاهدة عن الكرد، جرى التفاوض عليها دون الكرد، وعاملت المجتمعات الكردية بوصفها ملكية تُلحق بسيادة حاكم أو آخر.
المحتويات
ما معاهدة أرضروم الأولى؟
كانت معاهدة أرضروم الأولى معاهدة ثنائية وُقّعت في 28 يوليو 1823 بين الإمبراطورية العثمانية في عهد السلطان محمود الثاني وفارس القاجارية في عهد فتح علي شاه. وأنهت الحرب العثمانية الفارسية في 1821–1823، آخر حرب بين الإمبراطوريتين اللتين تقاتلتا على التخوم الكردية لأكثر من ثلاثة قرون. وأعادت المعاهدة أساسًا تأكيد الحدود التي أرستها معاهدة زهاب (1639)، مؤكدة استمرار التقسيم العثماني الفارسي لكردستان.
كان الهدف الرئيسي للمعاهدة إعادة الوضع القائم على طول التخوم الكردية المضطربة، حيث شهدت إمارة بابان التابعة للعثمانيين مؤخرًا حربًا أهلية بين فصائل موالية للشاه وأخرى موالية للسلطان. وتناولت كذلك مسائل التجارة ووصول الزوار إلى الأماكن الشيعية المقدسة في العراق وقمع الغارات الكردية عبر الحدود. لكنها أخفقت في حل النزاعات الحدودية الأساسية، مما أدى إلى استمرار الصراعات ثم إلى معاهدة أرضروم الثانية عام 1847.
أبرز النقاط
• تمحور الخلاف الذي أشعل الحرب حول ولاء القبائل الكردية الرحّل التي امتدت أراضيها على جانبي الحدود العثمانية الفارسية؛ وكان الكرد موضوع المعاهدة دون المشاركة فيها.
• أعادت المعاهدة تأكيد تقسيم زهاب لكردستان عام 1639، مؤكدة بقاء تقسيم الوطن الكردي بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية أساسًا للنظام الدولي.
• كانت إمارة بابان الكردية في قلب الصراع؛ فالحرب الأهلية داخل هذه الإمارة الكردية، بين فصائل دعمتها إمبراطوريات متنافسة، كانت سببًا مباشرًا للحرب العثمانية الفارسية الأوسع.
• تضمنت المعاهدة بندًا لقمع العثمانيين الغارات الكردية على الأراضي الفارسية، فتعاملت مع المقاومة والتنقل الكرديين بوصفهما مشكلة أمنية تُدار، عوض معالجة واقعهما السياسي.
حقائق سريعة
اسم المعاهدة: معاهدة أرضروم الأولى التاريخ: 28 يوليو 1823 الطرفان: الإمبراطورية العثمانية، السلطان محمود الثاني، وفارس القاجارية، فتح علي شاه النوع: معاهدة سلام وإعادة تأكيد للحدود البند الرئيسي المتعلق بالكرد: تأكيد تقسيم زهاب لكردستان عام 1639، وتناول الولاء المتنازع عليه للقبائل الكردية الحدودية الصراع الذي أنهته: الحرب العثمانية الفارسية في 1821–1823 القضية الكردية الرئيسية: الحرب الأهلية في إمارة بابان بين فصائل موالية للعثمانيين وأخرى موالية للفرس النتيجة: الإخفاق في حل النزاعات الحدودية واستمرار التوترات، وصولًا إلى معاهدة أرضروم الثانية (1847) الأهمية: تأكيد وضع الأراضي الكردية منطقة حدودية دائمة بين إمبراطوريات، ومعاملة القبائل الكردية بوصفها رعايا دون دور سياسي
السياق التاريخي: الحرب على التخوم الكردية
مع أن معاهدة زهاب (1639) أرست الحدود بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية، بقيت الحدود في المناطق الكردية الجبلية مصدرًا لصراع متقطع لنحو قرنين. وكانت المشكلة الأساسية أن حدود زهاب منطقة تخوم واسعة، لا خطًا دقيقًا، وأن المجتمعات القبلية الكردية التي عاشت فيها لم تعترف بشرعية الحدود الإمبراطورية. وتنقلت القبائل الكردية الرحّل بحرية عبر التخوم، وتنافست الإمبراطوريتان على ولائها.
تصاعدت التوترات في أوائل القرن 19. ومزّقت إمارة بابان الكردية، المتمركزة في السليمانية، حرب أهلية بين فصيل موالٍ للسلطان العثماني وفصيل طلب الدعم الفارسي. وآوى العثمانيون رجال قبائل متمردين من أذربيجان الفارسية، بينما استغل الفرس الاضطرابات الكردية على الجانب العثماني. وفي 1821، غزا ولي العهد الفارسي عباس ميرزا كردستان والمناطق المحيطة بأذربيجان الفارسية؛ ويُروى أن ذلك جاء بتحريض من الإمبراطورية الروسية التي سعت إلى الضغط على العثمانيين.
دامت الحرب ثلاث سنوات ودارت على جبهتين: الجبهة الشرقية الكردية الأذربيجانية وجبهة بغداد. وأحرزت القوات الفارسية نصرًا مهمًا في معركة أرضروم عام 1821، إذ هزمت جيشًا عثمانيًا تجاوز 50,000 بقوة قوامها 30,000. وغزا والي بغداد العثماني فارس، لكنه أُجبر على التراجع. وفي النهاية، أُنهك الطرفان؛ العثمانيون بحرب الاستقلال اليونانية، والفرس بالكوليرا والضغوط الداخلية، فكانت معاهدة أرضروم الأولى النتيجة.
بنود المعاهدة
لم تُحدث معاهدة أرضروم الأولى أي تغيير في الحدود الإقليمية. وأعادت تأكيد تخوم زهاب وسعت إلى استعادة الوضع القائم قبل الحرب. وشملت بنودها الرئيسية وصول الفرس إلى الأماكن الشيعية المقدسة في العراق العثماني والجزيرة العربية، وقمع العثمانيين الغارات الكردية على الأراضي الفارسية، وردّ ممتلكات التجار الفرس المصادَرة خلال الحرب، وتبادل السفراء. واقتُرح إنشاء لجنة مشتركة لمسح التخوم الكردية غير المحددة وترسيمها بدقة أكبر.
لكن المعاهدة أخفقت في النهاية. فلم تجتمع لجنة الحدود المقترحة قط، بسبب انشغال العثمانيين بالإصلاحات الداخلية وحرب الاستقلال اليونانية، وعدم الاستقرار الفارسي بعد وفاة ولي العهد عباس ميرزا عام 1833. واستمرت الحوادث الحدودية طوال عقد 1830، وأدت النزاعات الأساسية، المتجذرة في الوضع غير المحسوم للمجتمعات الكردية الحدودية، في النهاية إلى ضرورة عقد معاهدة ثانية في أرضروم عام 1847، هذه المرة بوساطة بريطانية وروسية.
المسألة الكردية في أرضروم
ما يجعل معاهدة أرضروم الأولى كاشفة للتاريخ الكردي هو طريقة تأطيرها الوجود الكردي على التخوم. فلم تستطع الإمبراطوريتان الاتفاق على «رعايا مَن» تكون القبائل الكردية الرحّل. وعاملت المعاهدة المجتمعات الكردية بوصفها ملكية يطالب بها حاكم أو آخر، دون التعامل معها كشعب له حقوق سياسية. ولم يكن السؤال قط «ماذا يريد الكرد؟»، بل «إلى أي إمبراطورية ينتمون؟».
في الوقت نفسه، كان الوعي القومي الكردي يتطور طوال القرن 19. وتشير الموسوعة الإيرانية إلى أن الحكومتين العثمانية والفارسية واجهتا صعوبة متزايدة مع الكرد على التخوم خلال هذه الفترة، إذ أدى تنامي الوعي الكردي بهويتهم المتميزة إلى اشتداد المقاومة واندلاع الثورات. وكانت الإمبراطوريتان تحاولان تثبيت حدود عبر شعب لا يعترف بها؛ وكلما اشتد سعيهما لفرضها، نمت المقاومة الكردية.
تُجسّد إمارة بابان، الإمارة الكردية الواقعة في مركز النزاع، هذه الدينامية تمامًا. فقد حكم أمراء بابان من السليمانية، وأداروا شؤون عدد كبير من السكان الكرد. ووقعت أراضيهم مباشرة على التخوم العثمانية الفارسية. وعندما قسمت نزاعات الخلافة الداخلية الأسرة الحاكمة، تدخلت الإمبراطوريتان، ودعمت كل منهما فصيلًا مختلفًا، فتحولت مسألة سياسية كردية إلى صراع إمبراطوري بالوكالة. ولم يبدأ الكرد هذه الحرب، بل جرّتهم إليها إمبراطوريات عاملت وطنهم كرقعة شطرنج.
التسلسل الزمني للأحداث الرئيسية
1639 — ترسي معاهدة زهاب الحدود العثمانية الفارسية عبر كردستان.
أوائل عقد 1800 — تصاعد التوترات حول القبائل الكردية الحدودية وخلافة إمارة بابان.
1821 — يغزو ولي العهد عباس ميرزا كردستان؛ معركة أرضروم وانتصار فارسي.
1821–1823 — الحرب العثمانية الفارسية عبر التخوم الكردية وحول بغداد.
28 يوليو 1823 — توقيع معاهدة أرضروم الأولى؛ إعادة تأكيد حدود زهاب لعام 1639.
عقد 1830 — استمرار الحوادث الحدودية؛ لجنة الحدود المقترحة لا تجتمع قط.
1847 — توقيع معاهدة أرضروم الثانية بوساطة بريطانية وروسية.
الإرث والأهمية للتاريخ الكردي
تمثّل معاهدة أرضروم الأولى محطة في التاريخ الطويل للتهميش الكردي. فهي تُظهر كيف عوملت المجتمعات الكردية بوصفها موضوعات للسياسة الإمبراطورية، دون اعتبارها قوى سياسية لها حقوقها الخاصة. وقد نشبت الحرب بسبب النزاعات على التخوم الكردية، وتناولت المعاهدة ولاءات القبائل الكردية، لكن لم يجلس أي كردي إلى طاولة المفاوضات.
تؤرخ المعاهدة كذلك بداية مرحلة جديدة في التاريخ الكردي: عصر تدخل القوى الأوروبية الكبرى في سياسات التخوم الكردية. وأدى إخفاق معاهدة أرضروم الأولى في حل النزاعات الحدودية إلى دخول بريطانيا وروسيا في مسألة الحدود العثمانية الفارسية وسيطتين، وصولًا إلى معاهدة أرضروم الثانية (1847) ولجان الحدود الدولية التي حاولت تثبيت خط دقيق عبر الجبال الكردية. وبالنسبة إلى الكرد، عنى ذلك أن وطنهم أصبح، فضلًا عن تنازع إمبراطوريتين إقليميتين عليه، خاضعًا للحسابات الجيوسياسية للقوى العالمية؛ وهي دينامية اشتدت خلال القرنين 19 و20.
ولعل الأهم أن المعاهدة تكشف ما خافته الإمبراطوريتان: الوعي القومي الكردي. وتشير الموسوعة الإيرانية إلى أن تطور الوعي الكردي بالهوية المتميزة أدى إلى اشتداد المقاومة والثورة طوال القرن 19. فالإمبراطوريتان لم تكتفيا برسم حدود، بل حاولتا احتواء شعب أخذ يرفض الاحتواء أكثر فأكثر. وقد أخفقت معاهدة أرضروم الأولى تحديدًا لأن أي خط على خريطة لم يكن قادرًا على حل المسألة الكردية؛ وكان يستطيع قمعها مؤقتًا فقط.
الأسئلة المتكررة
ما معاهدة أرضروم الأولى؟
معاهدة سلام وُقّعت في 28 يوليو 1823 بين الإمبراطورية العثمانية وفارس القاجارية، وأنهت الحرب العثمانية الفارسية في 1821–1823. وأعادت تأكيد حدود زهاب لعام 1639 عبر كردستان، وحاولت تسوية النزاعات المتعلقة بولاء القبائل الكردية الحدودية.
كيف أثّرت هذه المعاهدة في الكرد؟
كانت القبائل الكردية الموضوع المركزي للمعاهدة، لكنها لم تملك صوتًا في المفاوضات. وتنازعت الإمبراطوريات على ولائها، وعوملت أراضيها بوصفها منطقة حدودية تُدار، وألزمت المعاهدة العثمانيين بقمع تنقلات الكرد عبر الحدود. ونظرت الإمبراطوريتان إلى تنامي الوعي القومي الكردي بوصفه تهديدًا أمنيًا.
هل حلّت معاهدة أرضروم الأولى النزاعات الحدودية؟
لا. أخفقت المعاهدة في حل النزاعات الأساسية. واستمرت الحوادث الحدودية، ولم تجتمع لجنة الحدود المقترحة قط. ولزم عقد معاهدة أرضروم الثانية (1847)، بوساطة بريطانية وروسية، لمعالجة القضايا نفسها التي بقيت دون حل.
المراجع وقراءات إضافية
إنسيكلوبيديا دوت كوم — أرضروم، معاهدة (1823)
ماسترز، ب.، معاهدتا أرضروم (1823 و1848) والوضع المتغير للإيرانيين في الإمبراطورية العثمانية، الدراسات الإيرانية، المجلد 24، 1991.
